الدرس 2 من شرح مختصر الأخضري – حسن بوقليل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد، نواصل القراءة في متن الأخضري، وتوقف بنا المقام عند كلامه عن شروط التوبة. تفضل، بسم الله. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

قال الأخضري رحمه الله وغفر له ولشيخنا وللسامعين ولجميع المسلمين: فيجب عليه حفظ لسانه من الفحشاء والكلام القبيح وأيمان الطلاق وانتهار المسلم وإهانته وسبه وتخويفه في غير حق شرعي.

​يتكلم المصنف هنا عن بعض آفات اللسان التي تنتشر في الناس، وكلها تدور على حفظ اللسان، أن تحفظ لسانك. والنصوص وردت بحفظ اللسان؛ لأنه سبب يورد المهالك، كما جاء عن أبي بكر وعن عمر أنه أمسك بلسانه وكان يقول: “هذا الذي أوردني المهالك. هذا الذي أوردني المهالك”.

​بدأ المصنف هنا بالمنهيات فقال: “ويجب عليه حفظ لسانه من الفحشاء والمنكر والكلام القبيح وأيمان الطلاق”. أي يتجنب الفحش والكلام البذيء، يصون لسانه مما لا يليق من كلام السوء. والفحش قول وعمل. وقد جاءت النصوص في النهي عن الفحشاء والمنكر، والفحشاء هو الأمر الزائد عن المنكر، يعني عن المعاصي. المعاصي عمومًا فيها ما هو فحشاء وفيها ما هو دون ذلك. فالزنا من الفحشاء، وغيره من المعاصي كمثلًا السرقة، أو ربما أشياء أخرى، ربما لا تصل إلى درجة الفحشاء، يعني مما ينبذه مما ينبذه الناس.

​وقد جاء في الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت).

​هذا فيه إشارة إلى حفظ اللسان. لهذا كان يقول الشافعي رحمه الله: “وإذا حدثتك نفسك بالكلام فاسكت، وإن حدثتك بالسكوت فتكلم”. هذا ضابط يجعله الإنسان إذا كان في مجلس من المجالس. هل يحسن بي أن أتكلم أو أن أسكت؟ هذا هو ضابطك: إذا حدثتك النفس وألقت بك إلى الكلام فاسكت، وإن كان العكس فتكلم.

​قد جاء في الحديث أيضًا في البخاري: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه). وترك ما لا يعني ليس المقصود هو— ما يفهمه بعض الناس على ظاهره— يعني أشياء ليست من خاصتي لست معنيًا بها. ليس هذا هو المقصود بالذات، المقصود ما لا يعنيه من المعاصي والمحرمات. فالمحرمات لا تعني المسلم، فينبغي أن يبتعد عنها.

​وقد جاء أن الملك يحفظ ما تقوله بلسانك، يعني يكتبه. وأنت تستحضر مثل هذه المعاني، كقول الله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (ق: 18). فإنك تستحضر هذه المعاني تكون وقاية لك أن تترك الكلام السيئ، أن تترك الكلام السيئ.

​قال: “وأيمان الطلاق“. أيمان الطلاق المقصود بها ما يكثر على الألسن. يعني هناك بعض الناس كلما أقسم يقسم بالطلاق: “عليّ الطلاق إن لم أفعل كذا، عليّ الطلاق”، “والله ما مرتي طالقة”. وأحيانًا يقول: “والله حارمة”. بل بعضهم يحرم ويطلق وهو في مجلس له، يعني يلعب على الطاولة أو في مقهى. هذا مما ابتُلي به المسلمون، ولهذا سموا أيمان الطلاق، كان يسميها بعض الفقهاء بـ “أيمان الفساق“.

​يقول: “وانتهار المسلم“. انتهار المسلم يعني زجره بما لا يليق، وهذا من الاحتقار. هذا من الاحتقار أن تحتقر المسلم، وهذا لا يجوز. تحتقره في شكله، في هندامه. هذا يدخل في سباب المسلم؛ لأن السب هو الاحتقار. هنا ينبغي أن ننبه إلى أن السب ليس هو المقصود عند عامة اليوم أنه الكلام البذيء أو الفاحش. هذا الشيء أعلى من السب. السب في اللغة العربية المقصود منه الاحتقار. وما سميت السبابة إلا لأنها تستعمل في السب، يعني في الاحتقار. في الاحتقار، تشير إلى شخص تريد أن تحتقره بهذا الإصبع، وليس المقصود هو الكلام البذيء. من ذلك مثلًا أن ابن عمر لما حدث بحديث منع: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، قال ابنه: “والله لنمنعهن، يتخذنه ذريعة”. قال: أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول: “أمنعهن”؟! قال الراوي: “فسبه سبًا لم أره سب أحدًا من قبل”. ماذا تفهم من هذا الكلام؟ يعني وبخه واحتقره. هذا هو المقصود، وليس المقصود هو الكلام البذيء.

​وجاء في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر). ولهذا لا ينبغي أن تحتقر وتنتهر المسلم.

​و”تخويفه“. قال: “وتخويفه في غير حق شرعي“. جاء في الحديث النهي عن ترويع المسلم. (النهي عن ترويع المسلم). (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يروع أخاه). ونهى صلى الله عليه وسلم عن أخذ الشيء خفية. يعني تخبي حاجة لأخيك، أنه سيخاف، يهلع. هذا لا يحسن للمسلم، لا يحسن أن يخوف إخوانه.

​نعم. قال رحمه الله: ويجب عليه حفظ بصره عن النظر إلى الحرام، ولا يحل له أن ينظر إلى مسلم بنظرة تؤذيه. إلا أن يكون فاسقًا فيجب هجرانه. ويجب عليه حفظ جميع جوارحه ما استطاع. حسبك.

​هنا يتكلم عن آفات البصر. بدأ بآفات اللسان ثم بآفات البصر. والعجيب في اللسان فيه آفات كثيرة مع أنه لا عظم فيه، سهولة التحرك، يسهل تحركه. فكما سيأتي إن شاء الله، اللسان فيه الغيبة، النميمة، السب، الفحش، الكذب، النفاق، الكفر، البدعة، فيه كل شيء، كما يقول العوام: “كل حبوبة هذا اللسان”. لهذا كان يقول أبو بكر وعمر وغيرهما يمسك بلسانه ويقول: “هذا الذي أوردني المهالك”.

​يقول هنا: “ويجب عليه حفظ بصره عن النظر إلى الحرام“. جاء هذا في سورة النور، السورة العظيمة التي فيها بيان شيء مما ينبغي أن يكون عليه المسلم. {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ…} (النور: 30). “قل للمؤمنين”، ما علاقة الإيمان بالبصر؟ من خصال أهل الإيمان غض البصر. من خصال أهل الإيمان غض البصر.

​فيجب على المسلم أن يغض بصره عن النظر إلى الحرام، عن النظر إلى الحرام. قال: “ولا يحل له أن ينظر إلى مسلم بنظرة تؤذيه“. طيب، يغض بصره عن الحرام ويغض فعله أيضًا، أو يمتنع عن كل ما يؤدي إلى ذلك الحرام؛ لأن الحرام المقصود به الوقوع في الفاحشة. له سبل، له طرق، من ذلك إرسال النظر. طبعًا لا يحاسب على النظرة الأولى التي لم تأتِ عن قصد، كما جاء في حديث علي، قال: (الأولى لك). راك تمشي في الطريق مثلًا، ارفع رأسك، تشوف ساعة، تشوف الطريق مثلًا، وقع بصرك على شيء محرم، يعني من الصور المحرمة، هذه لا تؤاخذ؛ لأنها لم تكن عن قصد. أما إذا كررت الثانية، فأنت تقصد، فأنت تقصد.

​”ولا يحل له أن ينظر إلى مسلم بنظرة تؤذيه“. يعني النظرة التي فيها شيء من القساوة، التي فيها شيء من القساوة، هذه لا ينبغي؛ لأنها تدخل في عموم الإذاية، وقد نُهينا أن نؤذي المسلم. ولهذا جاء في الحديث: (من سلم المسلمون من لسانه ويده). (من سلم المسلمون من لسانه ويده). بمعنى كل شيء يؤذي المسلم لا تفعله. حتى النظرة هذيك، نظرة الاحتقار أو نظرة التي تبين الغضب أو تبين أن علاقة سيئة، هذه لا ينبغي أن تكون. في الأصل أنك تطلق وجهك، تطلق وجهك في مقابلة إخوانك، كما جاء في الحديث: (أن الابتسامة في وجه أخيك صدقة). ومن جميل ما يُذكر هنا من الناحية العلمية أو الطبية، معلوم أن الوجه فيه عضلات وأعصاب، قالوا: “يستغرق أو تستهلك الابتسامة تحريك عضلات أقل مما تستهلكه أو يستهلكه العبوس”. يعني كي تشنف على واحد خدم عضلات بزاف، علاه كي تبتاسم. يعني الابتسامة لن تكلفك شيئًا، الابتسامة لن تكلفك شيئًا.

​ثم قال: “إلا أن يكون فاسقًا فيجب هجرانه“. الفاسق لا ينبغي أن يُنبسط معه، أن تفرح معه وهو على فسقه. الفاسق ينبغي أن يُهجر. طيب، المقصود بالهجران هنا، يعني مهجره— نهجره عفوًا— لِنزجره، لِنزجره حتى يرجع إلى طريق الصواب، إلى طريق الصواب. أما أن ينبسط المسلم مع الفساق كما نراه اليوم من بائع المخدرات وشرّاب الخمور وكأنه لا يحدث شيء، خاصةً أقول خاصةً ممن ظاهره الاستقامة. فهذا فيه الدفع لهم وطمأنينة، كأنك تقول— لسان حالك يقول— لهذا الفاسق: “أنت على خير”. يعني تصور الآن تمر على جماعة يتعاطون المخدرات أو يروجون المخدرات، ثم أنت تقول: “السلام عليكم، كيف حالكم؟ بخير؟” ما معنى هذا؟ أن تعطيه دفعة، جرعة ليواصل على عمله. لكن لو مررت بدون سلام، فسيشعر بالزجر، ولعلها تكون سببًا في رجوعه، خاصةً ممن كان له مقام في مجتمعه. كأن يكون إمام مسجد، أو يكون طالب علم معروف، أو يكون صاحب جاه. فهؤلاء من مروجي المخدرات، قطّاع الطرق، لا ينبغي أن يُبتسم معهم، يعني لا تأتيك— كما يقول— الإنسانية من باب الإنسانية. طيب، هو ما يفعل في شباب المسلمين من باب ماذا هو؟ يضر المسلمين ويبيع السموم، هذا من باب الإنسانية؟ فينبغي أن تنتبه. ولهذا سبق الإشارة في دروس “رسالة الشرك” إلى كلام ابن القيم في التبوكية. قال: “أهل المعاصي يُنظر لهم من جهتين: من جهة الشرع ومن جهة القدر”. من جهة القدر: أنه واقع في معاصي، سنشفق عليه. من جهة الشرع: أن هذا حرام، نزجره. وهكذا الطبيب، فإنه يشفق عليك لأنك مريض، ثم يزجرك: “لا تفعل هذه، لا تفعل هذه، اشرب الدواء”. هكذا. فلماذا نحن نعمل بجانب واحد فقط؟ يعني إما الزجر وإما الانبساط معهم. لا، استعمل الطريقين على حسب الشخص. إما أن تنبسط وتخلص له قهوة: “تفضل خويا”، أو مثل ما يقولون الآن الكلمات هذه— وإن كنت أنا لا أحبذها— لما: “آه والعزيز”. هذا لا ينبغي أن يُرفع بمثل هذه الكلمات. ولهذا جاء في الحديث: (لا تقولوا للمنافق سيد). لماذا؟ لأنك ترفع من مقامه. كذلك الفاسق، وأقصد الذي يجهر بالمعاصي كالذي يبيع المخدرات، يروج المخدرات والسموم، فكيف تأتينا وأنت تقول له: “السلام عليكم خويا، كيف حالك”؟ لا. إما أن تزجره، يُزجر ويُنصح. هذا هو المقصود. تفضل.

قال رحمه الله: ويجب عليه حفظ جميع جوارحه ما استطاع. وأن يحب لله ويبغض له، ويرضى له ويغضب له. ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحرم عليه الكذب والغيبة والنميمة والكبر والعجب، والرياء والسمعة والحسد والبغض، ورؤية الفضل على الغير، والهمز واللمز والعبث والسخرية.

​طيب، يقول هنا: تتكلم عن بعض المحرمات، هي من باب الخاص بعد العام. وقال في الأول: آفات اللسان. الآن سيفصّل.

​يقول: “ويحرم عليه الكذب“. الكذب هو الإخبار بما يخالف الواقع. الكذب هو الإخبار بما يخالف الواقع من الكبائر. قد جاء في حديث ونصوص كثيرة: (ولا يزال المرء يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا). إيه، نعم.

​قبل هذا قال: “وأن يحب لله ويبغض له، ويرضى له ويغضب له، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر“. من أوثق عرى الإيمان. من أوثق عرى الإيمان: العُرا— جمع عروة وهي ربطة، هاديك تاع اللي تكون في الحبل. أوثق واحدة اللي تشد بها إيمانك: الولاء والبراء، الحب في الله والبغض في الله.

​قد جاء في السنة قوله صلى الله عليه وسلم: (أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما. وأبغض بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما). يعني إذا أحببت، تحب لله، لا تغلو في المحبة، أعطه حقه. قال: “هذا أحبه لطاعته فقط، لا لماله ولا لجاهه ولا لأي شيء. إذا انحرف عن هذه الطاعة، تُنزَع المحبة ويأتي البغض”. نفس الشيء، هذا أبغضه لمعصيته فقط، لا لأنه من المنطقة الفلانية أو أن شكله كذا، لا. إذا ذهبت المعصية، حل مكانها المحبة، هكذا المسلم. طبعًا إذا قلنا البغض والمحبة ليس معناه— يعني واحد تبغضه تروح تضربه— لا، ما عندهاش علاقة، نتكلم عن قضية محبة وكره، بغض. وهذا من مقتضى لا إله إلا الله.

​ومن مقتضاها أيضًا أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. ولذلك شروط، ليس كل شخص يأمر الناس بالمعروف وليس كل شخص ينهاهم عن المنكر. فمن كان قادرًا أن ينصح الناس، فليتفضل. أما أنك لا تعرف؛ لأن من لوازم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: العلم. لا يمكن أن تأمر بشيء وأنت لا تعلمه، أو تنهى عن شيء وأنت لا تعلمه. ومن نراه اليوم في وسائل التواصل، صراحةً، كل يوم يخرج لنا— يعني طوام— ضغط زر الشاشة ويخرج ويتكلم بلسان الدين. هذا هو المشكل: يتكلم بلسان الدين. ولهذا ينتبه المسلم: تكلم بعلم أو اسكت. أمر سهل، حاجة تعرفها مثلًا أن محرمة، شفت جارك يدخن مثلًا، كلمه: “قال يا أخي، اترك هذا. هذا شيء محرم. ربنا تعالى يقول كذا، نبينا صلى الله عليه وسلم يقول كذا”. هذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

​ثم قال: “ويحرم عليه الكذب“. (ولا يزال المرء يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا).

​قال: “والغيبة” بالكسر وليس الغِيبة. الغيبة وهي كما فسرها صلى الله عليه وسلم: (ذكرك أخاك بما يكره). وهنا لم يشترط أن تقول له هذا، أن يكون هذا الذكر في— يعني في حضوره— مثل ما يقول البعض: “نقولها له في وجهه”. حتى ولو تقولها في وجهه، تبقى محرمة. (ذكرك أخاك بما يكره).

​و”النميمة“. وقد جاء في الحديث: (ألا أنبئكم ما العض أو العضة؟ قال: النميمة القالة بين الناس). وهي نوع من السحر، يسحرك. يأتيك الشخص يقول لك: “فلان قال فيك كذا وكذا وكذا”. يسحرك فيتغير صدرك تجاهه. ولهذا يُروى في الحديث في سنن أبي داود وفيه مقال، قال: (لا يحدثني أحدكم عن أخيه حتى أخرج له سالم الصدر). هذا الحديث لا يصح لكن معناه صحيح، يعني ننتفع به في الدعوة في حياتنا اليومية. شوف، بمجرد أن يُنقل لك خبر— وإن كان غير صحيح— يقول لك: “فلان قال فيك كذا”، منزلته تتزعزع. ولهذا ماذا كان يفعل السلف للنمام؟ ما هو دواء النمام؟ أن يسد عليه الباب. كما جاء عن الحسن لما جاء أحد وقال: “حبيت نقول لك ما قال فيك فلان”، قال: “أما وجد الشيطان رسولًا غيرك؟” سد عليه الباب.

​قال: “والكبر والعجب“. التكبر جاء في الحديث: (يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر). الذر هم النمل الصغير، في صورة رجال يغشاهم الذل، هذا هو المتكبر، جزاء لما كان يفعل في الدنيا، يُحشر بهذه الصورة يوم القيامة. لكن هل من الكبر أن تلبس لباسًا جميلًا والمركب الفاخر وتتمتع بالدنيا؟ أبدًا، ليس هذا. وقد سأل أو استشكل ابن مسعود وغيره من الصحابة، قالوا: “يا رسول الله، أحدنا يحب أن تكون له نعل جميلة”، قال: (إن الله جميل يحب الجمال). هذا الشيء مطلوب. الكبر، هذا التعريف الشرعي للكبر: (الكبر بطر الحق وغمط الناس). هذا هو التكبر. بطر الحق بمعنى رده، ترد الحق تعلم أن هذا حق وترده، هذا من التكبر. وغمط الناس أي احتقارهم، تحتقر الناس في لغتهم، في جهتهم، في وطنهم، في لباسهم. هذا لا يجوز. هذا من التكبر.

​و”العجب“: أن يُعجب الإنسان رأيه، يحس أنه منو وما كاش خلاص. هذا نوع من التكبر والعياذ بالله.

​قال: “والرياء والسمعة“. هما الرياء والسمعة يعني متلازمان نوعًا ما. الرياء يكون قبل أو أثناء الفعل، والسمعة تكون بعد. الرياء مثلًا: أن يتصدق ليراه فلان مثلًا أثناء الفعل، يتصدق ليراه فلان. ما هي السمعة؟ السمعة تأتي بعد الفعل: “البارح كان عندي في الجيب مديته”. طيب، هذا الإخبار ماذا يريد به؟ يريد أن يُعلي من منزلته. أما إذا كان من باب ما ذكر الله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} (الضحى: 11)، فهذا ليس سمعة، بل هذا قد يكون من باب تحفيز الغير. ولهذا ذكر الله تعالى الصدقة في القرآن في السر والعلن، قال: “في السر والعلن”، لماذا؟ أن فيها الخير. أحيانًا قد تُسر بصدقتك وأحيانًا تُظهرها، كما أظهرها الرجل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم أناس مجتابي نيمار يلبسون جلود النمور فقراء. فقال صلى الله— يعني حثهم صلى الله عليه وسلم على الصدقة. قام الرجل ذهب إلى البيت وجاب صرة كبيرة، جاء في بعض الروايات أنه من شدة ثقلها ما قدرش يرفدها، يعني كان يجرها، ووضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ هم واش قالوا: “لا إله إلا الله”. (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقصه ومن أجورهم شيء). هكذا جاء، يعني أمام الناس. كذلك القصة التي بين عمر وأبي بكر، لما جاء أبو بكر وقال: “يا رسول الله، هذا هذا المال الذي تصدق به”. قال: (ما تركت لهم يا عمر؟). قال: “تركت مثله، يعني الأهل”. فجاء أبو بكر وقال له صلى الله عليه وسلم: (ما تركت لهم؟). قال: “تركت الله ورسوله”. فقال عمر: “لا أنافسك أبدًا”، خلاص. علم منزلة أبي بكر في مثل هذه الأشياء.

​قال: “والحسد والبغض“. الحسد تمني زوال النعمة عن الغير، والبغض هو إبطان الكره للغير. قد جاء في الحديث الصحيح: (دبّ فيكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء). والبغضاء هي الحالقة. لا أقول تحلق الشعر، لكن تحلق الدين. إذًا البغض والحسد يورث ماذا؟ زوال الدين. يعني يولي في نزول، صاحب الحسد يولي في نزول. لماذا؟ لماذا يا إخوان؟ لأن الحاسد يسيء الظن بالله تعالى، اللي يتمنى أن النعمة تزول من عند أخيه. هذا يعترض على قدر الله، فهو يسيء الظن بربه عز وجل.

​قال: “ورؤية الفضل على الغير“. لو نظرنا في سيرته صلى الله عليه وسلم، مع أنه سيد ولد آدم، وكان يقول: (أنا أتقاكم)، لكن ما كان صلى الله عليه وسلم يرفع نفسه عن صحابته، كان يجلس معهم، ينام معهم، يأكل معهم، لا يتكبر عليهم؛ لأن رؤية الفضل على الغير هذه تورث الكبر والعياذ بالله.

​قال: “والهمز واللمز“. الهمز واللمز معناهما واحد، معناهما واحد، الهمز العيب واللمز اليد، وكلاهما المقصود منه ماذا؟ احتقار الغير.

{وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} (الهمزة: 1). {لَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} (الحجرات: 11). “ها، يعني ما تلصقش كما نقول نحن بالعامية: ما تتعايروش بيناتكم، هذا هو. {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} (الحجرات: 11).”

​قال: “والعبث والسخرية“. هذه مما يحزن الغير، أن تسخر من غيرك وأن تعبث به. هذا مما يحزن الغير. وقد جاء في الحديث— يعني هذا الذي ذكره المصنف— ملحوظ في الشريعة، يعني مقصود. ولهذا نهى صلى الله عليه وسلم عن أن يتناجى اثنان دون ثالث. قال في الصحيح: (لا يتناجى اثنان دون ثالث من أجل أن ذلك يحزنه). يقول أهل العلم: “فكل ما يحزن غيرك لا تفعله، سخرية، عبث. أي شيء يؤدي إلى إحزان الغير لا ينبغي”.

​قال: “والزنا والنظر إلى الأجنبية والتلذذ بكلامها.

الزنا هي الفاحشة، وردت فيها نصوص كثيرة وهي من الكبائر. و”النظر إلى الأجنبية” وسبق الإشارة إليه. “النظر إلى الأجنبية وال تلذذ بكلامها ولو بغير نظر“. والتلذذ بكلامها ولو بغير نظر، وهذا لا ينبغي.

​و”أكل أموال الناس بغير طيب نفس“. قد جاء في الحديث النهي أن يأخذ المسلم مال غيره بدون رضاه. قال: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا) يعني هو يمد لك. أما عن استشراف فلا، أما عن استشراف فلا. ولهذا جاء في الحديث: (إذا أتاك مال من غير مسألة ولا استشراف نفس فخذه). ما معنى استشراف نفس؟ يعني أن تتوق نفسك إلى مال غيرك. لكن لا تطلب. مثلًا واحد شاف ساعة عند صديقه: “أوه عندك واحد الساعة، متمني وحدة كما هادي”. أنت تدري أن الرجل يستحي منك: “شحال شريتها؟ والله غير ماذا بيّ تخرج عليّ أنا”. ويبدأ يقيس فيها وكذا. لا. ماذا يفعل؟ صاحبها يستحي. هذا استشراف نفس، يعني يبدأ يمعني. هذا هو المقصود. يبدأ يمعني، هذا لا ينبغي.

​قال: “والأكل بالشفاعة أو بالدين“. الشفاعة يعني التوسط بين الناس في قضاء حوائجهم. وبالدين المقصود منه هو يعني باسم الدين. وقد ذم الله تعالى اليهود أو الأحبار والرهبان لفعلهم هذا: {إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ…} (التوبة: 34). لماذا ذكر الأحبار والرهبان؟ ركز على هذا الاسم أو هذا الوصف، كانوا يأكلون أموال الناس باسم أنه حبر أو راهب. نفس الشيء بالنسبة لأهل الإسلام. لا ينبغي أن تستشرف أموال الناس لأنك طالب علم أو إمام أو شيخ، لا يحسن هذا. وقد ذكر أبو نعيم في “الحلية” ذكر عن ابن مُحَيرِيز أنه دخل إلى دكان أحد البزازين— يعني يبيع البز اللي هو القش، حوايج— ليشتري ثوبًا. فكان عنده رجل قال: “أتعرف هذا البائع؟” لا يعرفه. قال: “هذا ابن مُحَيرِيز”، يعني العالم فلان. فقام ابن مُحَيرِيز وانصرف. فقال له: “أنا نشتري بأموالنا وليس بديننا، جينا نشرو بالدراهم. ماشي لأني فلان بن فلان”. وهكذا كان السلف رحمهم الله.

​ثم قال اكمل. قالوا: وتأخير الصلاة عن أوقاتها، ولا يحل له صحبة فاسق ولا مجالسته لغير ضرورة، ولا يطلب رضا المخلوقين بسخط الخالق.

​قال سبحانه: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ} (التوبة: 62). وقال عليه الصلاة والسلام: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).

​يعني نُهينا عن مصاحبة الفساق أن تجعله صاحبًا لك. ليس المقصود— يعني الآن— معناها واحد يعيش لوحده. لا، المقصود الفاسق الذي يجاهر بالمعصية لا تجعله صاحبًا لك، يعني مثل ما نقول بالعامية “تدور معاه”. تصور أنت داير واحد صاحبك من شُرّاب الخمور والناس كامل تعرفه بلي يشرب خمر، أو يبيع المخدرات، أو ديره صاحبك، سُكّر الحق به؛ لأن الصاحب ساحب. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (ولا تصاحب إلا مؤمنًا). من هذا أخذها المصنف: “ولا تصاحب إلا مؤمنًا“. “ولا مجالسته لغير ضرورة“. كأن يأتي مثلًا يسألك، أو تحتاج منه شيئًا، أو تريد أن تشتري، يعمل هو في محل تشتري منه، هذا لا حرج فيه.

​نعم. قال رحمه الله: ولا يحل له أن يفعل فعلًا حتى يعلم حكم الله فيه، ويسأل العلماء، ويقتدي بالمتبعين لسنة محمد صلى الله عليه وسلم الذين على طاعة الله ويحذرون من اتباع الشيطان.

​لا ينبغي للإنسان أن يُقبل على شيء من أشياء الدين، مثلًا الأشياء المحرمة، وهو لا يعرف. والهدف الأول ذكر المصنف في بداية الكتاب قال: “يجب أن يعرف فروض العين”. ونهى وبيّن أنواع المحرمات. ينبغي أن تعرف هذه الأشياء، لا تعيش سبهللًا. أنت خُلقت لشيء واحد وهو إقامة توحيد الله تعالى، فلا ينبغي لك أن تتساهل ولا تتعلم دينك. ويصبح الإنسان يرتكب المحرمات ويترك الواجبات.

​نعم. قال رحمه الله: ولا يرضى لنفسه ما رضيه المفلسون الذين ضاعت أعمارهم في غير بطاعة الله تعالى. فيا حسرتهم ويا طول بكائهم يوم القيامة.

​نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لاتباع سنة نبينا وشفيعنا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. آمين، آمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *