بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهِّم سليمان فهِّمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً وعملاً صالحاً يا كريم.
أما بعد، فكنا قد توقفنا في التعليق على الروض المربع في أثناء باب الإجارة، وتقدم في المجلس الماضي ذكر أول باب الإجارة وشروط صحتها، وذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الإجارة تصح بثلاثة شروط وهي: معرفة الأجرة، ومعرفة المنفعة، والإباحة في نفع العين، وتوقفنا على الشرط الثالث: الإباحة في نفع العين.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على خير الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر للمؤلف ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين.
قال المؤلف رحمه الله: الشرط الثالث: الإباحة في نفع العين المقدور عليه المقصود، كإجارة دار يجعلها مسجداً، أو شجر لنشر ثياب، أو قعود بظله، فلا تصح الإجارة على نفع محرم كالزنا والزمر والغناء، وجعل داره كنيسة أو لبيع الخمر، لأن المنفعة المحرمة مطلوب إزالتها، والإجارة تنافيها، وسواء شرط ذلك في العقد أو لا إذا ظن الفعل، ولا تصح إجارة طير ليوقظه للصلاة لأنه غير مقدور عليه، ولا شمع وطعام ليتجمل به ويرده، ولا ثوب يوضع على نعش ميت – ذكره في المغني والشرح – ولا نحو تفاحة لشم، وتصح إجارة حائط لوضع أطراف خشبه المعلوم عليه لإباحة ذلك، ولا تؤجر المرأة نفسها بعد عقد النكاح عليها بغير إذن زوجها لتفويت حق الزوج.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: الشرط الثالث: الإباحة في نفع العين المقدور عليه المقصود، هنا حقيقة ذكر عدة شروط في المنفعة، يعني ما المنفعة التي يصح عقد الإجارة عليها؟ لا بد أن تتحقق فيها أمور، وقد لخصها ابن قايد رحمه الله في شرح المنتهى – ذكر في حاشية المنتهى – فذكر أن محصَّل ما يعتبر في النفع سبعة أمور:
- الإباحة – هذا الأول
- وإطلاقها – هذا الثاني
- ثالثاً: أن يكون مقصوداً
- الرابع: كونه متقوَّماً أي له قيمة
- والخامس: أن يمكن استيفاؤه مع بقاء العين
- والسادس: القدرة عليه
- والسابع: أن يكون النفع للمستأجر
وبعض هذه الشروط سنتكلم فيها في الفصل القادم، سنتكلم على شاكلة الثلاثة من قائمة ثم نرجع إلى عبارة الروض.
يقول: محصَّل ما يعتبر في النفع سبعة أمور: الإباحة، يعني أن تكون المنفعة مباحة، هذا كثير، مثل استئجار الشقة للسكن، استئجار السيارة للركوب عليها والقيادة فيها ونحو ذلك، فتخرج المنفعة المحرمة، ومثَّل لك هنا مثل استئجار على الزنا والزمر والغناء.
الثاني: إطلاقها، أن تكون مباحة مطلقاً، إخراجاً لما يباح للحاجة أو للضرورة، مثل كلب الصيد، كلب الصيد يباح للحاجة فلا يجوز تأجيره.
الثالث يقول: أن يكون مقصوداً، النفع مقصوداً، مثل لو استأجر الشقة ليسكن فيها، السكن منفعة مقصودة، لكن لو استأجر شيئاً لغير المنفعة المقصودة، مثَّل لك هنا كما لو استأجر طعاماً ليتجمل به ثم يرجعه، الطعام أصلاً المنفعة المقصودة منه الأكل، وما استأجره للأكل، استأجره ليتجمل به، استأجر من صاحب محل فاكهة موزاً وفاكهة وتفاحاً ومعه ذلك بجانبه ليتجمل، ليظن الناس أنه شخص يهتم بصحته مثلاً، فهو لم يستأجره للمنفعة المقصودة منه، طبعاً استأجره للأكل سيأتينا لاحقاً، لكن المنفعة المقصودة منه هي الأكل، لم يستأجره له، إنما استأجره لمنفعة غير مقصودة.
الرابع: كونه متقوَّماً أي له قيمة، فإذا كان الشيء غير متقوَّم يعني ما يمكن تقويمه فإنه لا يصح استئجاره، مثَّل لك هنا استأجار التفاحة للشم، استأجر التفاحة للشم، هل لو أخذ واحد تفاحاً ليشمه هل الشم رائحة التفاح لها عوض؟ لا، لا يمكن تقويمها، لذلك في الغصب كما سيأتينا أنه إذا غصب شخص شيئاً فإنه يرد العين المغصوبة ويرد أيضاً أجرة مكثه عنده، لكن هنا التفاحة لو ردها ما فيه أجرة لها لأن المنفعة اللي هي الشم ما تُقوَّم، لذلك هنا الأجرة لو استأجر تفاحاً ليشمه فنقول: لا يصح لأن المنفعة غير متقوَّمة، هذا مما عُلِّل به استئجار التفاح للشم.
الخامس: أن يمكن استيفاؤه مع بقاء العين، يمكن استيفاؤه مع بقاء العين، فإذا كان لا يمكن أن تستوفى المنفعة إلا بذهاب العين فلا يصح، مثل استئجار الطعام للأكل، فالطعام لا يُستأجر لا للتجمل ولا للأكل، لأنك إذا استأجرته للمنفعة لا يمكن أن تستوفي المنفعة إلا بأن تستهلك العين، فإذا استأجرت مثلاً موزاً لتأكله، أكلته، ذهبت العين، لا يمكن ترده، فصار هذا بيعاً لا يصير إجارة.
السابع: أن يكون النفع للمستأجر، يعني مملوكاً للمستأجر، المنفعة مملوكة للمستأجر، فلا يؤجر مثلاً شيئاً لا يملكه ولا يملك منفعته، هذا سيأتينا إن شاء الله في الفصل القادم.
نرجع إلى كلام المؤلف رحمه الله تعالى، هنا يقول المؤلف: ذكر بعض القيود قال: الإباحة في نفع العين، أن تكون المنفعة مباحة، وهذا هو القيد الأول الذي ذكره ابن قايد، لكن كونها مباحة مطلقاً هذه ما ذكرها هنا، أنها تباح مطلقاً ليست مما يباح عند الحاجة وعند الضرورة بل.
المقدور عليه، يخرج غير المقدور عليه المعجوز عن تسليمه كالمغصوب، وكذلك عندنا مثال: استئجار الديك ليوقظه للصلاة، استئجار الديك ليوقظه للصلاة، فهذا غير مقدور عليه، لماذا؟ لو ما أذَّن الديك هنا هل تستطيع استخراج الصوت من الديك بالضرب ونحوه؟ لا، فالديك من نفسه، فهنا لا تستطيع، المنفعة التي ستستخرجها من الديك لا تتحكم بها، فلذلك هذا غير مقدور عليه.
المقصود كما قلنا في إجارة الطعام والشمع ليتجمل به، هنا ذكر لك الأمثلة لما تحقق في هذه الشروط قال: كإجارة دار يجعلها مسجداً، إجارة دار استأجر داراً ليجعلها مسجداً يصلون فيها، فهنا يصح لأن هذه منفعة مباحة، هذه المنفعة مباحة، الصلاة فيها، ويمكن استيفاؤها من العين مع بقائها، فجاز استئجار العين لها كالسكنى، السكنى كذلك.
وشجر لنشر ثياب أو قعود بظله، يعني يجوز: شخص عنده أشجار، فشخص آخر قال له: أنا أغسل ثيابي، أريد أن أنشرها على الشجر، قال: الشجر لي، قال: طيب، سأستأجرها منك لأنشر ثيابي عليها، فهنا يصح ذلك لأن لها منفعة مباحة، قالوا: لأنه لو كانت مقطوعة، كانت الشجرة مقطوعة، جاز استئجارها لذلك، فكذلك إذا كانت ثابتة.
وكذلك استئجار الشجر للقعود بظله، يعني شخص عنده أشجار يستظل بها، فقال شخص: أريد أن أستظل بها، قال له: ما عندي مانع، أعطني أجرة لتجلس بها تستظل بها، أو مثلاً قال: أريد أن أوقف سيارتي تحتها، قال: ما عندي مانع، هذه شجرة لي، شجرة له، هو الذي زرعها عند بيته، فقال: ما عندي مانع، أعطني أجرة مقابل إيقاف سيارتك فيها، هل يستحق هذا؟ هل يصح؟ نقول: نعم يصح، يملك أن يؤجر، لا بأس، أخذ أجراً منك، ما في ما نع، لكن سآخذ أجراً منك، لا يملك، يعني مثل ما نقول: حريم الدار، حريم الدار اللي هو المكان المحيط بالبيت، فالأصل أنها موقف لسيارة هذا الساكن، هذا الساكن في بيت، جاء شخص أراد أن يقف فيها، ما عندي مانع، تفضل ادفع أجرة. لكن في النظام شيء يمنع، هم؟ ما أعرف، أنا أقول: لا أعرف هل فيه منع أو لا، لكن نتكلم عنها من ناحية التقعيد، لو لم يكن فيه منع أو لا يمكن فيه منع، فنقول: يصح، هذه الشجرة، هذا الظل، هو يملك الشجرة فيملك المنفعة، المنفعة المباحة.
طبعاً الشجرة التي تكون في أرضه أو في حريم داره، يعني مثل زراعة عند بيته مباشرة، فهنا يملك منفعة هذا الظل، فله أن يؤجره.
طيب، هل للشخص الذي لا يملك، هل له أن يستظل بها ولو لم يستأذن منه؟ يستظل بها بنفسه، ليس بسيارة، بنفسه، صار جالساً في ظلال شجر، هل يجب عليه الاستئذان؟ غير شجرة، ظلال جدار، ظلال جدار المنزل، جاء الظل خارج المنزل، هل يجب عليه استئذان صاحب المنزل ليستظل بظلال جداره؟
نعم، هذا لا يجب، هذا يباح الانتفاع به، يباح الانتفاع به.
نعم، هنا قال الخلوتي في تعليقه على هذا الجملة من المنتهى يقول: هذا يعني جواز إجارة العين المباح نفعها للمستأجر، فإن له الجلوس في ظل حائط غيره، يقول: يصح له الجلوس، يعني يصح له الجلوس من باب الإباحة لا من باب الملك، يعني أبيح له، أن عندنا ملك المنفعة وعندنا إباحة الانتفاع، أبيح الانتفاع لك بملك الغير، لكن الإباحة هذه مستندة للعرف، لأن الناس يتساهلون في مثل هذا ولا يتخاصمون فيها، جرى العادة أن الناس يتسامحون، فلذلك هو ينبغي تأجيرها، وهذا له لو أنه جاء وهذا ليس موجوداً واستظل بظله، لا يجب أن يستأذنهم، لأن هذا مما جرت العادة في التسامح.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أمثلة للنفع الذي لم تتحقق فيه هذه الشروط قال: فلا تصح الإجارة على نفع محرم كالزنا والزمر، لماذا؟ لأن منفعته محرمة فلا يجوز الاستئجار عليها، والغناء أيضاً كسابقه، والغناء المقصود به الغناء المحرم، قال في أول الجملة: فلا تصح الإجارة على النفع المحرم كالزنا والزمر والغناء.
هل في غناء مباح؟ الغناء المراد به الشعر المتغنى به، كما قال المصنف: حسن حسن وقبيح قبيح، فنقول: إذا كان شعراً مباحاً ولا يوجد فيه تشبيب بنساء ونحوه أو وصف للمحرم ونحوه، وخلا من المعازف والموسيقى، فهو مباح، لكن ليس هو المراد هنا، المراد هنا الذنب المحرم الذي فيه إما وصف للمحرمات بما يقتضي إشادة بها والتفاخر بها ونحو ذلك، أو يكون شعراً مباحاً لكنه اقترن به المعازف ونحوها، فهو يكون محرماً.
قال: وجعل داره كنيسة أو لبيع الخمر، أن يؤجر داره لمن يحولها إلى كنيسة، هنا في الأول قال: يؤجر داره ليصلي فيها، لكن يؤجر داره لمن يحولها إلى كنيسة، أو لمن يبيع فيها الخمر، فهذه لا تصح، لماذا؟ لأن هذه المنفعة محرمة، لأن المنفعة المحرمة مطلوب إزالتها، والإجارة تنافيها، لأن الإجارة ستجعل هذه المحرمة تزيد، المنفعة المحرمة تزيد، المنفعة المحرمة مطلوب إزالتها.
قال: وسواء شرط ذلك في العقد أو لا إذا ظن الفعل، يعني مثلاً الشخص معروف عنه فتح عدة محلات لبيع الغناء، أشرطة الغناء، أو لبيع… يُعرف أن هذا هو صاحب… وما عنده نشاط إلا هذا النشاط، هنا صحيح هو ما قال له أنه سيستأجرها لبيع الشيشة، لكن هو المؤجر يغلب على ظنه أن المستأجر استأجرها لهذا الفعل المحرم أو لهذه المنفعة المحرمة، فهل يجوز له تأجيرها أو لا؟ يقول: لا، لا يجوز، لذلك يقول: سواء شرط ذلك في العقد أو لا إذا ظن الفعل، يعني إذا كان غلب على ظنه أن المستأجر سيستعمل هذا في منفعة محرمة فلا يجوز له تأجيره.
طيب، نأتي إلى تأجير المحلات لمن يبيع فيها الدخان مثلاً، فهل يجوز تأجيره؟ طيب، الدخان حرام؟ نعم، نقول: هنا ينظر إلى الأغلب في نشاط هذا المحل، فإذا كان الأغلب في نشاط هذا المحل المنفعة المباحة، فنقول: بالجواز، فإذا كان الأغلب المنفعة المحرمة، فنقول: التحريم.
طيب، الحلاق الغالب… الحلاقة المباحة أو التحريم؟ طيب، يختلف، طبعاً الحلاق نقول: أنه نشاطهم الأصل أكثره على المخالفة، فنقول: هذا لا يجوز، لكن إذا كان الحلاق نشاطه الأصل حلاقة الشعر، لكن قد يحلق اللحى قد لا يحلق اللحى، لكن إذا نسبتها إلى حلاقة الشعر يعني يمكن تجي 20% أو أقل، فنقول: أنه نشاطه مباح.
قال: ولا تصح إجارة طير ليوقظه للصلاة لأنه غير مقدور عليه، هذا تقدم قبل قليل، نقله الحربي إبراهيم الحربي عن الإمام أحمد رحمه الله، لأن ذلك… قالوا: لأن ذلك يتوقف على فعل الديك من المنفعة، التوقيظ للصلاة يتوقف على فعل الديك، هل فعل الديك يستطيع الإنسان أن يستخرجه؟ لا، قالوا: لأن ذلك يتوقف على فعل الديك ولا يمكن استخراج ذلك بضرب ولا غيره، هل أنت إذا ضربته سيؤذن؟ لا، قد تضرب ولا يؤذن، هل إذا مثلاً منعت عنه الطعام سيؤذن؟ قد وقد لا، فلذلك قالوا: لا يمكن استخراج ذلك بضرب ولا غيره، فقد يصيح وقد لا يصيح، وربما صاح في غير هذا الوقت، فهنا المنفعة إذن غير مقدور عليها.
قال: ولا شمع وطعام ليتجمل به ويرده، الشمع المنفعة المقصودة منه الاستضاءة، وبعضهم يعني يجعلونه للزينة بأن يخرج من زوايا طيبة، والطعام المنفعة المقصودة منه الأكل، فهنا طبعاً الشمع والطعام ليتجمل به ويرده، فهنا قالوا: لا يصح ذلك لأن هذا ليس بمنفعة، اللي هو التجمل بالشمع والطعام، كلامهم على الشمع في السابق كان المقصود منها الإضاءة، قالوا: لأن ذلك ليس منفعة مرعية في الشرع، فبذل المال فيه سَفَه، وأخذه أكل مال بالباطل فلم يجز.
الآن الشمع يتجمل به، فيأتينا السبب الثاني في منع إجارة الشمع، أنه لا ينتفع به إلا بإتلاف عينه، فيأتينا إن شاء الله في الفصل القادم.
قال: ولا ثوب يوضع على نعش ميت، نعش الميت يوضع عليه ثوب، يستأجر ثوباً ليضعه عليه، قالوا: هذا الثوب استُفيد منه في غير اللبس، هنا ليست هي المنفعة المقصودة منه، فلذلك قالوا: لا يصح ذلك، إذن لأن هذا ليس من المنافع المقصودة للثوب.
قال: ذكره في المغني والشرح، حقيقة أنه ذكره الشارح، ذكره الشارح، أما الموفق حقيقة ما وقفت عليه في المغني، لكن وقفت عليه في الكافي، والحقيقة أنه تتابع الأصحاب رحمهم الله تعالى على نسبة هذا للمغني، يعني ذكره في الفروع والإنصاف والكشاف، والله أعلم هل ذكره في موضع آخر أو لا، لكن هو ذكره ابن قدامة في الكافي، وذكره الشارح في الشرح.
قال: ولا نحو تفاحة لشم، لماذا؟ السبب الأول: أنها غير مقصودة، المنفعة غير مقصودة منها، السبب الثاني: أنها غير متقوِّمة، المنفعة هذه الشم غير متقوِّمة، قالوا: نحو التفاحة كالريحان والورد والبنفسج، فلا يصح استئجارها للشم لأنها تتلف عن قرب، يعني رائحتها ليست زكية فتذهب سريعاً ولا تبقى، أشبهت المطعومات، لكن ما تبقى رائحته طويلاً قالوا: يصح استئجاره لذلك لأن هذه منفعة مقصودة، ذكر في المغني أنه يصح استئجار ما يبقى من الطيب كالصندل وقِطَع الكافور والند للشم لأنها منفعة مباحة.
قال: وتصح إجارة حائط لوضع أطراف خشبه المعلوم عليه لإباحة ذلك.
مرّ معنا مسألة وضع الخشب على جدار الجار في أي باب؟ نعم، أجاب الشيخ حمزة والشيخ: حمد الله، لا في الصلح، في الصلح، لأنهم يذكرون أحكام الجوار في آخر باب الصلح، ذكرنا سابقاً ذلك، أن غالباً المشاكل بين الجيران يعني في الممارسة قد تكون مشاكل كثيرة، فأحسن حلول لها أحل الصلح، فلذلك يذكرون أحكام الجوار في باب الصلح.
طيب، فهنا يقول: تصح إجارة حائط لوضع أطراف خشبه المعلوم عليه، يعني الأصل أنه لا يمنع الجار جاره أن يضع خشبه على جداره كما جاء في الحديث، فيبذله له، إما أن يبذله له مجاناً أو يبذله له بأجرة، فهنا قال: يصح أن يبذله له بأجرة، قال: لإباحة ذلك، لإباحة هذه المنفعة، وكونه مقدوراً على تسليمها.
قال: ولا تؤجر المرأة نفسها بعد عقد النكاح عليها بغير إذن زوجها لتفويت حق الزوج.
هنا المتزوجة عندها… في حق للزوج عليها في… حق للزوج عليها بالاستمتاع، فهي إذا أجرت نفسها فإنها ستنقص حق الزوج، حق الزوج، فلو أجرت نفسها مثلاً خياطة تخيط للناس، أو مثل الوظيفة، وظيفة، تكون معلمة، تكون طبيبة، يعني بعد الزواج، هنا إذا استُؤجرت مثلاً بعد الزواج بغير إذن الزوج فهنا لا يصح، لماذا؟ لأن هذا فيه تفويت لحق الزوج، فلذلك…
مثال الوظيفة: نعم، أقول: لو أن امرأة توظفت بعد زواجها، فهنا منعت زوجها بعض الوقت، وزوجها يعني يستحق منفعتها كل الوقت، فهي منعت زوجها بعض الوقت، فهنا لا بد أن تكون بإذن الزوج، بإذن الزوج، لأنها إذا كانت بغير إذنه فوَّتت حق الزوج، ولذلك لو كان تأجير نفسها في وقت لا يعني يفوت حق الزوج فظاهر تعليلهم جوازه.
يقول شيخنا ابن عثيمين رحمه الله في حاشية الروض: يؤخذ من هذا التعليل: لتفويت حق الزوج، أنها لو أجرت نفسها على وجه لا تفوت به حق الزوج صح ذلك، مثل أن تستأجر لخياطة ثوب ونحوه مما لا تفوت به حق الزوج، وهو كذلك، يعني لو كان مثلاً الزوج يخرج يومياً للعمل من الساعة السادسة إلى الساعة الواحدة، فيقف ساعتين منها سأخيط للناس، ما فوَّتت حق زوجي، فهنا لا يلزم أن تستأذن زوجها لأنها لن تفوت حقه بذلك، وهذا يؤخذ من تعليلهم.
وقوله: بعد عقد النكاح عليها، فلو كانت مؤجرة نفسها من قبل عقد النكاح فلا يلزم إذن الزوج بعد عقده، يعني مثلاً معلمة، تزوجها وهي معلمة، فهنا استمرت، ليس له حق في منعها لأنها مستأجرة من قبل.
يقول: الوظيفة عن بُعد هل يلزم استئذانها؟ طبِّق التعليل: هل تفوت حق الزوج أو لا؟ إذا كانت تفوت حق الزوج فلا بد من الإذن، وإذا كانت لا تفوته فلا يلزم، تفوت حق الزوج، لا يلزم أن تفوت حق الزوج يعني حق الفراش، حق الزوج كثيرة، فلو مثلاً إذا أتت البيت غير مرتب، غير منظف، وكانت عادة أهل البلد أن المرأة هي التي تقوم به، فهنا ضيعت شيئاً من حق الزوج، هنا لا بد فيه من الإذن، نعم.
فصل
قال رحمه الله: فصل، ويُشترط في العين المؤجرة خمسة شروط: أحدها معرفته برؤية أو وصف إن انضبط بالوصف، ولهذا قال: في غير الدار ونحوها مما لا يصح فيه السَّلَم، فلو استأجر حماماً فلا بد من رؤيته لأن الغرض يختلف بالصغر والكبر، ومعرفة مائه، ومشاهدة الإيوان، ومطرح الرماد، ومصرف الماء، وكره أحمد كراء الحمام لأنه يدخله من تنكشف عورته فيه.
عقد المؤلف رحمه الله تعالى فصلاً في بيان أحكام العين المؤجرة، عندنا العقد، عقد الإجارة، إما أن يكون على عين، وإما أن يكون على عمل، وهنا في هذا الفصل سيتكلم عن إجارة الأعيان، والعين قد تكون معينة وقد تكون موصوفة في الذمة.
قال: يُشترط في العين المؤجرة خمسة شروط، أولاً: ما العين التي يجوز تأجيرها؟ قالوا: القاعدة أن كل ما صح بيعه صح تأجيره، طيب ما الذي يصح بيعه؟ ارجع إلى كتاب البيع، كل ما أُبيح الانتفاع به من غير حاجة، فكل ما صح بيعه صح تأجيره، وما لا يصح بيعه لا يصح تأجيره.
واستثنوا من ذلك الحر والحرة، فلا يصح بيعهما لكن يصح تأجيرهما، لا، صح تأجير الحر، أنت استأجر شخصاً ليعمل لديك، الخدم في البيوت الآن هي استئجار للعمل، أنت استأجرت هذا الحر أو هذه الخادمة، لكن هل يجوز لك بيعها؟ لا، فالحر والحرة يجوز استئجارهما ولا يجوز بيعهما.
قالوا: وإذا استأجر الحرة كما تقدم معنا في الدرس الماضي يصرف وجهه عن النظر لأنها أجنبية، وكذلك الوقف، الوقف لا يجوز بيعه إلا في نطاق ضيق، لكن الأصل أنه لا يجوز بيعه ويجوز تأجيره، وأم الولد لا يجوز بيعها ويجوز تأجيرها.
ذكر أنه يُشترط في العين المؤجرة خمسة شروط، سبق الشروط التي مرت معنا ثلاثة، هذه الشروط للإجارة تكون سواء كانت لعين أو منفعة، هنا الإجارة على عين تُشترط فيها خمسة شروط.
الشرط الأول: أن تكون العين معروفة، معروفة برؤية أو صفة، الرؤية هذه لكل شيء: سيارة، بيت، الصفة هذه، قال: إن انضبطت بالوصف، فما لا ينضبط، كيف تعرف الذي ينضبط بالوصف؟ أحياناً الفقهاء رحمهم الله تعالى يختصرون ويحيلون على أبواب سابقة بأجل أن تربط أبواب الفقه بعضها ببعض، يحيلونك على السابق ويحيلونك على اللاحق، فما يكررون المعلومة في كل باب لكن يحيلون.
فقولهم إذن: إن انضبطت بالوصف، طيب ما الذي يضبط بالوصف؟ ارجع إلى باب… في أي باب؟ السَّلَم، أُجيب عليها، في السَّلَم، ما ينضبط بالوصف وما لا ينضبط فيه، تقدم معنا في باب السَّلَم، فهنا يقول: إن انضبطت بالوصف، فما لا ينضبط بالوصف فإنه لا يصح استئجاره إلا بالرؤية، إذن الرؤية كل شيء يعني يصح تأجيره، يصح استئجاره بالرؤية، لكن بالصفة نقول: لا بد أن ينضبط بالوصف، فلذلك قال: في غير الدار ونحوها، يعني العقار لا ينضبط بالوصف، فلذلك يقولون: هذا لا بد فيه من رؤية.
قال: في غير الدار ونحوها مما لا يصح فيه السَّلَم، فهذا لا بد فيه من رؤية، هذا هو المشهور من المذهب، وهناك قول آخر في المذهب في جواز استئجار الذي لا ينضبط بالصفة، يستأجر بالصفة ويثبت له خيار الرؤية إذا رأى، ويثبت له خيار الرؤية إذا رأى، يعني يستأجره ثم إذا رأى ما أعجبه، ما كان على الوصف الذي توقعه، فهنا له خيار الفسخ، فهذا قول في المذهب، وهذا القولان أيضاً هما في البيع بالصفة، البيع بالصفة، ذكرنا في شروط البيع أنه لا بد أن يكون المبيع معلوماً برؤية أو بالصفة، المذهب أنه الصفة مما ينضبط بالوصف، فلو كان مما لا ينضبط بالوصف وباع، بيع بالصفة، فهل يصح أو لا؟ المشهور من المذهب لا يصح، وهناك قول آخر في المذهب أنه يصح ويثبت خيار الرؤية، فهكذا هنا.
ثم ذكر لك أمثلة لما لا بد فيه من الرؤية، قال: فلو استأجر حماماً فلا بد من رؤيته، لماذا؟ لأن الغرض يختلف بالصغر والكبر، بعضهم يريد الحمام الصغير، بعضهم يريد الحمام الكبير، ومعرفة مائه، هل هو من البئر أو لا، ومعرفة مشاهدة الإيوان، يعني صفته، ومطرح الرماد، يعني المكان الذي يُجعل فيه، يسيل إليه الرماد، قالوا: موضع الزبالة، ومصرف الماء، ماء الحمام، هذه كلها يختلف فيها غرض من يستأجر الحمام، لذلك قالوا: لا بد فيه من رؤيته.
ثم انتقل إلى مسألة كراء الحمام، استئجار الحمام، هل يجوز أو لا يجوز؟ قال: كرهه الإمام أحمد رحمه الله كراء الحمام لأنه يدخله من تنكشف عورته فيه، هنا الكراهة هي كراهة التنزيه أو كراهة التحريم؟ كراهة… نعم، كراهة التنزيه.
الكراهة كراهة تنزيه، سُئل الإمام أحمد رحمه الله عن كراء الحمام، فقال: أخشى، يعني كأنه على سبيل الورع، فقيل له: إذا شرط على المكتري ألا يدخله أحد بغير إزار، شرط على المكتري، يعني شخص الآن سيستأجر الحمام لكي يُبذِّله للناس، فهنا قال: لو كان مالك الحمام الذي بناه اشترط على المكتري أن لا يدخله أحد بغير إزار، قال: ومن يضبط هذا؟
هذه الجملة تصلح لبعض الناس الذين يعني يجوِّزون بعض الأشياء التي الفساد فيها أكثر ويقولون: تجوز على وفق الضوابط الشرعية، إذا كان الفساد فيها أكثر فمن الذي سيطبق الضوابط الشرعية؟ فحين إذا كانت مستّ الحاجة إليه ونحو ذلك فممكن أن نتجاوز ونقول: يطبق الضوابط الشرعية، لكن إذا كانت مسألة فيها ونحو ذلك أن نقول: يجوز ويطبق الضوابط الشرعية…
طبعاً ذكر ابن حامد رحمه الله أن كلام الإمام أحمد في الكراهة أنها بطريقة الكراهة تنزيهاً، لأنه قد تبدو فيه عورات الناس فتحصل الإجارة على فعل محظور فكرهه لذلك، وأما العقد فصحيح، قد ذكر ابن المنذر رحمه الله إجازة كراء الحمام بقول إجماع من يُحفَظ عنه من أهل العلم رحمهم الله تعالى.
طبعاً كراء الحمام جائز إذا حدده، حدده بصفة أو ذلك، لأن المكتري إنما يأخذ الأجر عوضاً عن دخول الحمام والاغتسال بمائه، وأحوال المسلمين محمولة على السلامة، وإن وقع من بعضهم فعل ما لا يجوز لم يحرم الأجر المأخوذ منه، كما لو اكترى داراً ليسكنها فشرب فيها خمراً، يعني لو أن شخصاً استأجر من شخص شقة للسكن، الإجراء صحيح والعقد صحيح، هذا أخذ الأجرة، المالك، فهذا المستأجر مرة شرب فيها دخاناً أو خمراً، نقول: العقد باطل والأجرة محرمة؟ لا، صحيح، الأجرة صحيحة والأجرة صحيحة، لكن الفعل هذا الذي فعله المستأجر هو الفعل المحرم، نعم.
قال رحمه الله: والشرط الثاني أن يعقد على نفعها المستوفى دون أجزائها، لأن الإجارة هي بيع المنافع، فلا تدخل الأجزاء فيها، فلا تصح إجارة الطعام للأكل، ولا الشمع ليشعله، ولو أكرى شمعة ليشعل منها ويرد بقيتها وثمن ما ذهب وأجر الباقي فهو فاسد، ولا حيوان ليأخذ لبنه أو صوفه أو شعره أو وبره إلا في الظئر فيجوز وتقدم.
قال رحمه الله: ونقع البئر أي ماؤها المستنقع فيها، وماء الأرض يدخلان تبعاً، كحبر ناسخ وخيوط خياط وكحل كحال ومرهم طبيب ونحوه.
الشرط الثاني: أن يعقد على نفعها المستوفى دون أجزائها، فالإجارة هي عقد على المنافع، هي بيع منافع وليست بيع أعيان، فلذلك يقولون: المعقود عليه هو المنفعة وليست العين، فإذا كانت العين ستذهب مع المنفعة فلا يصح هنا عقد الإجارة عليها، لأن الإجارة عقد على المنافع، وهذه لا ينتفع بها إلا بإتلاف عينها، وهذا التعليل أيضاً سيأتينا في الوقف، أن من شروط العين الموقوفة أن تبقى العين ولا تذهب مع الانتفاع بها.
قال: لأن الإجارة هي بيع المنافع فلا تدخل الأجزاء فيها، ثم ذكر أمثلة، فلا تصح إجارة الطعام للأكل، هناك في الجملة السابقة في الفصل السابق إجارة الطعام قرأناه قبل قليل، إجارة الطعام والشمع للتجمل للزينة، لكن لا يصح لأن المنفعة غير مقصودة، لا، هنا المنفعة مقصودة، الطعام للأكل والشمع ليشعله، المنفعة مقصودة، لكن في سبب آخر وهو أن العين ستذهب، فكأن العقد وقع على المنفعة والعين، وهو عقد إجارة، والذي يقع على المنفعة والعين هو عقد البيع، فلذلك قالوا: لا تصح إجارة الطعام للأكل ولا الشمع ليشعله، لماذا؟ لأن هذا لا ينتفع به إلا بإتلاف عينه فلم يجز، وهذا هو المشهور عند الأصحاب رحمهم الله تعالى.
شيخ الإسلام رحمه الله يجوِّز هذا، لكن يقول: ليس هذا بإجارة بل هو إذن في الإتلاف، وهو سائغ كقوله: من ألقى متاعي فله كذا، من ألقى كذا فله كذا، فهو من باب الالتزام.
هنا في حاشية ابن قاسم في صفحة 306 حاشية 5، لما ذكر كلام الشيخ رحمه الله قال في نهايته: قال في الفروع: وهو المختار، وهو المختار، صوابها: قال في الفائق: وهو المختار، صاحب الفروع نقل هذه الجملة لكن صاحب الفروع لم يصرح باختياره في هذه المسألة، الذي قال: وهو المختار هو صاحب الفائق كما في الإنصاف، ثم في حاشية العنقري التي لعل الشيخ ابن قاسم نقل عنها.
طيب، هنا الشمع يقول: لو جاء شخص وقال: أنا ما دمتم قلتم أنه لا يصح إجارة الشمع ليشعله لأنها تذهب العين، أنا سأؤجر شمعاً، أؤجر شمعاً ليشعلها هذا المستأجر، وما بقي يرده، يرد ما بقي، والذي استهلكه يعطيني ثمنه، والذي ما استهلكه يعطيني أجرته، واضح؟ يعني يقول مثلاً: أنتم تقولون إجارة الشمع لا تجوز لأنها تذهب بالانتفاع، طيب، أنا سأؤجر على شخص شمعة وأقول له: انظر، أنت أشعلها ورجِّع الباقي، مثلاً أشعلتها بقي نصفها، رجعها، النصف الذي استهلكته هذا مبيع سأبيعه عليك، النصف الباقي هذا سأجعله إجارة لأنه لم يذهب، العلة التي منعتم لأجلها تأجير الشمع انتفت هنا، أنا سأؤجر ما بقي، فهنا هل يصح هذا أو لا؟ ماذا قال المؤلف؟
لو أكرى شمعة ليشعل منها ويرد بقيتها وثمن ما ذهب وأجر الباقي، يعني الذي يستهلك يدفع ثمنه يصير مبيعاً، والذي لم يستهلك يدفع أجرته، يقول: فهو فاسد، لماذا؟ عقدان في عقد واحد، هل يضر العقدان إذا اجتمعا في عقد واحد؟ مرّ معنا في شروط البيع: العقدان في صفقة واحدة، لا يلزم أن يفسد، يعني يكون العقدان مستقلين، هذا يتجه إلى جزئية وهذا يتجه إلى جزئية، لكن هنا ليست الإشكالية في أنه اجتمع عقدان، الإشكالية في الجهالة في العقدين، قالوا: لأنه يُسمى بيعاً وإجارة، وما وقع عليه البيع مجهول، وقد… ما يعني، يوم أعطاه، قال: الذي ستستهلكه أعطني ثمنه، كم سيستهلكه؟ سيستهلك الشمعة كلها؟ يستهلك ربعها؟ نصفها؟ مجهول، وإذا جُهِل المبيع جُهِل المستأجر، فيفسد العقدان، فيفسد عقد البيع وعقد الإجارة، يعني هنا فسد لا لاجتماعهما ولكن لوجود الجهالة في كل منهما.
قال: ولا حيوان، يعني لا يجوز تأجير الحيوان ليأخذ لبنه أو صوفه أو شعره أو وبره، لماذا؟ جاء وقال: أنا سأستأجر منك هذه النوق، خمس نوق سأستأجر منك، أنا لن أركبها، أنا فقط سأستأجرها لآخذ حليبها، في جهالة، لو قال: طيب، نرفع الجهالة، أستأجرها لآخذ خمسة لترات من الحليب، يستمر بالإجارة إلى أن يحصل هذا، هنا العقد حقيقة وقع على العين، على الحليب، والإجارة هي عقد على المنفعة، يعني لو استأجر الناقة للركوب صح، هذه منفعة، لكن استأجر الناقة ليأخذ حليبها أو ليأخذ لبنها أو صوفها أو شعرها أو وبرها، فهنا لا يصح، لأن المولد عقد الإجارة المنفعة، والمقصود هنا العين، وهي لا تملك ولا تستحق بالإجارة.
طب، شيخ الإسلام رحمه الله يجوِّز ذلك، قال: إلا في الظئر فيجوز وتقدم، في الظئر يجوز استئجار الظئر المرضعة لترضع الطفل فيجوز، طيب، العقد على ماذا في الرضاع؟ تكلمنا عنه في درس الرضاع، العقد في الرضاع على ماذا؟ تكلمنا عنه، هل العقد على الفعل أو العقد على اللبن؟ هل العقد على أنها تجعله في حجرها وأنها تلقِّمه ثديها ونحو ذلك، أو العقد على اللبن نفسه، اللبن نفسه؟
لأنه خلاف بين الأصحاب رحمهم الله تعالى، والذي مشى عليه في الإقناع والمنتهى، في الإقناع قال: الحضانة واللبن، وفي المنتهى قال: والأصح اللبن، والأصح اللبن، وإلا ففي قول في المذهب أن المعقود عليه هو الفعل، فعل الظئر، وهي تجعله في حجرها وتلقِّمه ثديها ونحو ذلك، فيقول: هذا هو المعقود عليه واللبن جاء تابعاً، فابن القيم رحمه الله ناقش ذلك في زاد المعاد، فشيخ الإسلام رحمه الله ألحق بها أيضاً، يقول: حكمها واحد، لو استأجر حيواناً ليأخذ لبنه، يقول: مثل الظئر ليأخذ لبنها، أما الأصحاب رحمهم الله تعالى قالوا: الظئر استثناء.
قال: ونقع البئر أي ماؤها المستنقع فيها، وماء الأرض يدخلان تبعاً، يعني إذا استأجر أرضاً، مزرعة مثلاً، وفيها ماء في البئر أو فيها مياه جوفية، فهل يملك هذا الماء؟ هل يدخل؟ أو نقول: هل يختص هو بهذا الماء؟ يدخل في عقد الإجارة؟ يقولون: نعم، لكن دخل في عقد الإجارة تبعاً، تبعاً، لماذا ما قالوا أصالة؟ لأن الماء لا يملك، هو يملك بالحيازة، الماء عين، والعقد يقع على المنفعة، لذلك قالوا: أنه يدخل تبعاً.
قال: كحبر ناسخ وخيوط خياط وكحل كحال ومرهم طبيب ونحوه، يعني لو استأجرت شخصاً لكي ينسخ لك، يكتب لك، فأعطيته أجره على فعله وعلى الحبر الذي أحضره معه، طيب، الحبر أليس عيناً؟ بلى، هو عين، لكن دخل تبعاً في العقد، وكذلك خيوط الخياط، أنت استأجرت خياطاً لخياطة الثوب، طيب، الخياط اشترى خيوطاً لكي يخيط، فالخيوط هنا دخلت في عقد الأجرة، نعم، دخلت تبعاً، ما دخلت أصالة لأنها عين، وكذلك كحل الكحال، ومرهم الطبيب ونحو ذلك، فهي كلها تدخل تبعاً، نعم.
الشرط الثالث
قال رحمه الله: الشرط الثالث: القدرة على التسليم كالبيع، فلا تصح إجارة العبد الآبق والجمل الشارد والطير في الهواء، ولا المغصوب ممن لا يقدر على أخذه، ولا إجارة المشاع مفرداً لغير الشريك، ولا يؤجر مسلم لذمي ليخدمه، وتصح لغيرها.
الشرط الثالث: القدرة على التسليم، كأنه من شروط البيع أن يكون المبيع مقدوراً على تسليمه، كذلك من شروط الإجارة، من شرط صحة عقد الإجارة أن تكون المنفعة، أو أن تكون العين المؤجرة مقدوراً على تسليمها، ذكر لك أمثلة لمسائل لا تصح إجارتها لأن العين غير مقدور على تسليمها.
قال: فلا تصح إجارة العبد الآبق الهارب والجمل الشارد، فلا تصح إجارتهم، لماذا؟ لأنهما غير مقدورين، يعني صاحبهما لا يستطيع أن يسلمهما بهذا المستأجر، طيب، وهل يصح تأجيرهما لمن يقدر على تحصيلهما؟ هل يصح تأجيرهما لمن يقدر على تحصيلهما؟ ماذا؟ نعم، هم ذكروا في البيع، ذكروا في البيع أنه لا يصح بيع الآبق والشارد، العبد الآبق والجمل الشارد، فكذا الآبق والشارد، عن الهارب، لكنهم إذا قالوا آبق يُقصد به العبد عن الأصلح، وليس صح أن تقول: الجمل آبق والعبد شارد، لكن الصلاح على تحصيرهم، ما قياس على ما ذكروا في البيع؟
قال: والطير في الهواء، لا يصح تأجيره لأنه لا يُقدر على تسليمه.
قال: ولا المغصوب ممن لا يقدر على أخذه، فالمغصوب فُرِّق إذن، المغصوب لا يصح تأجيره لمن لا يستطيع أخذه من غاصبه، لمن لا يستطيع أخذه من غاصبه، لكن يجوز تأجيره لمن يستطيع ذلك، يعني مثلاً هذا، مثلاً شخص عنده سيارة، فجاء موظف في جهة ما وغصب هذه السيارة، جاء رئيس هذا الموظف إلى مالك السيارة به، قال: تؤجرني إياها؟ قال: نعم، له أن يؤجره، لماذا؟ الرئيس يستطيع أن يحصل هذه من الموظف الذي تحته، لكن إذا كان العكس، المستأجر لا يستطيع أن يحصل هذه العين المغصوبة من الغاصب، فهنا لا يصح التأجير.
قال: ولا إجارة المشاع مفرداً لغير الشريك، يعني عندنا مثلاً أحمد ونصار شريكان في عمارة، عمارة سكنية، كل منهما يملك النصف، النصف مشاع، النصف مشاع، يعني لم يتقاسما الشقق التي في العمارة، هنا هل لأحمد… أحمد، طيب، هل لأحمد أن يؤجر نصيبه على عمر؟ فأجَّر نصيبه، هو مشاع، لم يُقسم، هل له أن يؤجر نصيبه على عمر؟ قال مثلاً: أحمد قال مثلاً: هو مدين لعمر مثلاً بمئة ألف ريال، قال: أنا أملك نصف هذه العمارة، فلسطين سأجعلك تحل محلي سنتين، فأجره نصيبه منها لمدة سنتين مقابل هذا الدين، هنا هل يصح أو لا يصح؟
قالوا: لا يصح إجارة المشاع مفرداً لغير الشريك، أما للشريك يصح، لو أن أحمد الذي يملك النصف أجَّر نصفه على نصار، فصار نصار يملك منفعة هذا العقار كاملاً، نصفه يملك عيناً ومنفعة، ونصفه الآخر يملك منفعته، فهذا يصح، لكن إذا كان سيؤجر نصفه لغير الشريك فلا يصح، لماذا؟ قالوا: لأنه لا يقدر على تسليمه فلم تصح إجارته كالمغصوب، هنا لو قال عمر: أعطني النصف، هنا ما يستطيع، لماذا؟ لأن كل متر أو كل شبر في هذا العقار نصفه لأحمد ونصفه لنصار، فلا يستطيع أن يسلمه ما دام لم يقتسمه.
قال: لأنه لا يقدر على تسليمه فلم تصح إجارته كالمغصوب، وذلك لأنه لا يقدر على تسليمه إلا بتسليم نصيب شريكه، ما يقدر يسلم نصيبه إلى عمر إلا بتسليم نصيب شريكه أيضاً، وهو لا ولاية له على مال شريكه، هذا هو المشهور من المذهب.
والقول الثاني في المذهب أومأ إليه الإمام أحمد رحمه الله، أنه يجوز، واختاره جمع من الأصحاب منهم أبو حفص العكبري وأبو الخطاب صاحب الهداية وحافظ ابن عبد الهادي والمرداوي رحمه الله، صوبه في الإنصاف وقال في التنقيح: وهو أظهر، وعليه العمل، قال البهوتي كصاح المنتهى: عليه العمل، يعني عمل الحكام إلى زماننا، يعني يجيزون مثل هذا التصرف، لأنه معلوم، يجوز بيعه وجازت إجارته، قالوا: هو معلوم، يعني يملك نصف هذا العقار، جاز بيعه، يجوز بيع المشاع، قالوا: لما جاز بيعه جازت إجارته.
ثم قال رحمه الله: ولا يؤجر مسلم لذمي ليخدمه، وتصح لغيرها، تأجير المسلم نفسه للذمي، نقول: إما أن يؤجر نفسه للخدمة أو لغير الخدمة، لغير الخدمة مثل عمل معين، مثل خياطة، مثل تغسيل ثوب أو نحوه، أو طبخ، طبخ وجبة معينة ونحوها، فهنا إذا كان لعمل معين فيجوز بالإجماع، استدللنا بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لما أجَّر نفسه من يهودي، استقى له كل دلو بتمرة، علي بن أبي طالب رضي الله عنه أجَّر نفسه من يهودي، هو عليه رضي الله عنه من سادات الصحابة رضي الله تعالى عنه، لكنه رضي الله تعالى عنه هنا أجَّر نفسه من اليهودي، وهذا كان لما كان يجمع المهر لزواجه من فاطمة من النبي صلى الله عليه وسلم، فهو عامل ولم يتكفف الناس رضي الله تعالى عنه وأرضاه، والنبي صلى الله عليه وسلم علم بذلك وأقره، لم ينكر عليه، فهنا أجَّر نفسه لعمل معين.
لكن تأجير المسلم نفسه لخدمة الذمي، أن يكون خادماً له، يعمل عنده ليل نهار، فهنا قالوا: لا يجوز، لماذا؟ وهذا نص الإمام أحمد رحمه الله في رواية الأثرم، قال: إن أجَّر نفسه في خدمته لم يجز، إن كان في عمل شيء جاز، لماذا لا يجوز تأجير نفسه للخدمة؟ قالوا: لأنه عقد يتضمن حبس المسلم عند الكافر وإذلاله له واستخدامه له، أشبه البيع، أشبه البيع، ولا يباع العبد المسلم للكافر، فكذلك لا يستأجر الكافر مسلماً ليخدمه.
قال الموفق: يحققه أن عقد الإجارة للخدمة يتعين فيه حبسه مدة الإجارة واستخدامه، والبيع لا يتعين فيه ذلك، يعني قد يشتريه ولا يحبسه طوال المدة، بخلاف الإجارة، قال: فإذا مُنع من بيع العبد المسلم للكافر فلأن يُمنع من الإجارة من باب أولى.
أسئلة واستفسارات
بسم الله الرحمن الرحيم، المشاع، يقول: مثل المعاصر وهي شقق التمليك التي تكون في وحدات سكنية، مجتمع عن عدة شقق في العمارة، ستكون بعض الأجزاء أو أحياناً الدرج أو أحياناً الارتدادات تكون مشاعاً بين… وحين تكون مشاعاً بين الشقق كلها، وأحياناً تكون مشاعاً بين الشقق المعينة، حيث يكون… الشقق رقم كذا وكذا، والفحوى الغربي للشقق رقم كذا، فهل يجوز لصاحب الشقة… صاحب الشقة مثلاً في السطح التي بجواره الساحة التي في السطح التي هي مشاعة، هل يجوز له أن يؤجرها للغير؟ والآن سيؤجر نصيبه ونصيب غيره، يعني أجَّر نصيبه فقط.
فأجَّر نصيبه ونصيب غيره، فليست مثل هذه المسألة، سيؤجر نصيبه ونصيب غيره، نقول: إذا استأذن منه، أخذ الإذن منه فيجوز، فأجَّر، استأذن من جميع من هم مشتركون في ملكية هذا السطح فيجوز، هنا لأنه التأجير حقيقة من الملاك كلهم، من الملاك كلهم، لكن إذا لم يستأذن فلا يجوز، لماذا؟ لأنه أجَّر نصيبه ونصيب غيره، وغيره لم يوكله، فلا يصح.
طبعاً إذا جئنا نطبق كلام الأصحاب في تفريق الصفقة، نقول: يصح في نصيبه بقسطه ولا يصح في نصيب الباقي، لكن هنا حقيقة هذا المستأجر ما استأجر جزءاً يعني معيناً، أو يستأجر لكي يأخذ جزءاً يسيراً من هذا المكان، استأجر المكان بالكامل، فحقيقة لن يأخذ جزءاً من هذا المكان، فإما أن نقول: يصح في نصيبه ويبطل في نصيب غيره، وللمستأجر حق الفسخ، ونقول: لا يصح مطلقاً، لا يجوز له أن يؤجر.
وطبعاً فيه نظام يحكمها، نظام هي الوحدات السكنية عندهم نظام يحكمها، سيد الله، في إجارة عدة قضايا، يكون هذا الذي في شقة في الصبر يسوِّر الجوار له ويمنع غيره منه، فيجعله كأن توسعة لأحياناً المجلس أو جلسة خارجية له، يمنع غيره من الدخول، هذا ليس صحيحاً، بعض الوحدات السكنية لا يمكن يدخل إلا إذا دخل، لذلك أحياناً إذا توقف الماء أو مثلاً التكييف، يأتون إلى الساحة، التكييف، يستأذنون من هذا كي يصلحون الشقة، فحصلت مشاكل كثيرة.
طيب، ما حكم هذا؟ إن شاء الله، نعم، هذا يقول: في نظام ملكية وإفرازها وإدارتها، هذا النظام الذي ينظم، نظام ملكية الوحدات العقارية وإفرازها وإدارتها، هذا النظام الذي ينظم مثل هذه الشقق التي نتعامل فيها.
هذا يقول: كيف نوفق بين استئجار الدار لجعلها مسجداً مع اشتراط كون المسجد واقفاً، وكون الوقف ملكاً للواقف، وكونه على التأبيد؟ هو المسجد يكون وقفاً إذا صرح به صاحبه، صرح به صاحبه، فيبني مسجداً وإما أن يقول: هذا وقف لله، أو يأذن لغيره بنية أنه وقف مستمر، لكن لو جعل جزءاً مثلاً من مزرعته مسجداً، جزءاً من مزرعته لكي يجتمع هو وأولاده ومن يردون في المزرعة، أو صاحب محطة جعل فيها، بنى مسجداً في المحطة، إما أحياناً يبنون غرفة تسمى مسجداً، أو مسجداً مقاماً، فهنا هل يأخذ حكم الوقف الذي وُقِف مؤبداً؟
الذي يظهر والله أعلم أنه لا يأخذ حكم الوقف المؤبد، ولذلك من مثلاً لو أن هذا استأجر، غالباً المحطات يكون يستأجرها أصحابها، ويجعلون فيها المسجد، فلو استأجر شخص آخر بعد المستأجر الأول، فله أن ينقل المسجد إلى مكان آخر، يأخذ المسجد، يجعله مثلاً محلاً تجارياً، وينقل المسجد لمحل آخر، ونحو ذلك، ولا نقول: أن هذا صار مسجداً مستقلاً لا يباع، وأن هذه البقعة من المحطة صارت وقفاً، يظهر والله أعلم أن المسجد الذي يعتبر وقفاً هو ما قصد صاحبه، كان صاحبه يملكه وقصد إقافه، لكن مثل هذا يملك منفعته، لكن قال: ما دمت أملك المنفعة في هذا المسجد فسأجعلها غرفة للصلاة، فلا تأخذ حكم المسجد الموقوف، موقوفاً مؤبداً، والله أعلم.
هذا ما تحتاج، أمراض، ما الفرق بين المغصوب والآبق؟ الآبق قالوا: لا يصح ولو من قادر على تحصيله، والمغصوب قالوا: إذا كان من قادر فيصح، لا يحضرني جواب الآن.
يقول: ألا يمكن أن يُقال إن حق الزوج بالاستمتاع يتجدد يومياً، فله منعها من استئجار نفسها ولو أُبِنَت قبل ذلك، أو تزوجها وهي موظفة ثم منعها؟ هذا محتمل، لكن الاحتمال الآخر أيضاً أنه دخل على بصيرة، وهي موظفة، كانت مؤجرة نفسها من قبل، هي موظفة، فدخل ولم يمنعها، ولم يشترط أن تستمر في وظيفتها، فيظهر والله أعلم أنه ليس له حق منعها، وإن كان حقه بالاستمتاع يتجدد، لكن سكوته السابق صريح على إقراره، والله أعلم.
بالمسألة احتمال، هذا: كانت موظفة من قبل، موظفة من قبل الزواج، ولا فيه شرط اللي يمنعها من الوظيفة، يقول: إذا كانت موظفة فاستقالت ودخل على أنها موظفة، فاستقالت ثم وجدت وظيفة أخرى، فهل له منعها؟ هل لا بد من إذنها أو لا؟ يظهر أنه لا بد من إذنها، هنا انقطع اتصال الإجارة، فصار عقداً جديداً بعد الزواج، فهنا لا بد من إذنه.
يقول: لو كان الشجر كبيراً يصل إلى مسافات بعيدة، فهل له حق تأجيره؟ جيد، هذا بعد، نعم.
يقول: إذا أجَّر شخص لآخر محلاً تجارياً على أن نشاطه مباح، ثم تبين له أنه يعمل به في نشاط محرم، هنا يقول: هل له حق الفسخ أو لا؟ نقول: هنا هل أكثر النشاط محرم أو لا؟ يعني ينظر للأغلب، هل أغلب النشاط محرم؟ إذا كان أغلب النشاط محرم فهنا له حق الفسخ، بمعنى أنه كان نشاطه مباحاً ثم بدأ يزيد هذا المحرم، فله حق الفسخ، لكن إذا كان نشاطه محرم قليل كثير، لكن أغلب النشاط مباح، فهنا ليس له حق الفسخ، لكن بإمكانه أن لا يجدد له بعد نهاية المدة، والله أعلم.
الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.