إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدِه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد، نبدأ بإذن الله جل جلاله وعظم سلطانه شرحاً متوسطاً على كتاب التوحيد. وقبل البدء في مقدمة المؤلف أو أول باب وعنوانه، لا بد أن نقدم ببعض المقدمات:
أولاً: مؤلف الكتاب ودعوته
مؤلف الكتاب هو محمد بن عبد الوهاب التميمي رحمه الله، مجدد القرن الثاني عشر، بل هو من مجددي الإسلام عموماً.
جاء الشيخ في فترة فشا فيها الشرك، واندثرت فيها معالم التوحيد، وضعفت السنّة، وقويت البدعة، وقلّ الاجتهاد، وكثر التقليد. فجاء الشيخ ودعا بدعوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ذلك بأن رأس الأمر الذي دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل الأنبياء والمرسلون جميعاً، هو الدعوة إلى الإسلام الخالص لله وهو التوحيد، وإفراد الله جل وعلا بالعبادة.
فدعا الشيخ رحمه الله الناس إلى هذا الأصل، وأرسل فيه الرسائل، وصنّف فيه المصنفات. ومن مصنفاته: ثلاثة الأصول (والأصول الثلاثة – أي فيه رسالتان)، وكتاب التوحيد الذي هو بين أيدينا، وكشف الشبهات، والقواعد الأربع، وغيرها مما كتبه الشيخ رحمه الله إما في هذا الميدان أو غيره.
وقد تميزت مصنفات الشيخ بقلة اللفظ وغزارة المعنى، حتى قال بعضهم: “إنه لا يحسن التصنيف”. ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن الشيخ رحمه الله لم يكن يكتب ليكتب، لكنه يكتب ليدعو. ولذلك كَرَّس قلمَه في ماذا؟ في الدعوة إلى ما يحتاج الناس إليه، وهو توحيد الإلهية خاصة.
هذا بالنسبة للمؤلف، وقد ناله ما ناله، وذلك سنة الله جل وعلا في الذين خلوا من قبل: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾. وكما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: “ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي”. والله جل جلاله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. وقال أيضاً: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾.
إذن، فالشيخ ناله ما ناله من الأذى. ثم بعد موته، نال من دعوته ونُسبت بـ “الدعوة الوهابية”، لماذا؟ لينسبوها إلى شخص؛ لأن الشيء إذا نُسب إلى شخص فإنه لم ينسب إلى العصمة. لأنه لو قلت: “وهابي” أنت نسبت إلى شخص، لكن نحن نقول: هي دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولذلك لو أن محمد بن عبد الوهاب بُعث الآن وقال: “كل ما كتبته خطأ”، نقول: ليس بصحيح، بل الذي كتبته في مسائل التوحيد هو حق لا مِرْيَة فيه. ولكن نُسبت الدعوة إليه أو نُسب التجديد إليه لأنه هو الذي حمل راية التجديد لهذه الدعوة العظيمة.
ثانياً: كتاب التوحيد وأقسامه
كتابه هذا، كتاب التوحيد، كما قلت، هو من أشهر مصنفات الشيخ رحمه الله، وهو كتاب جمع فيه الشيخ بين الآي والحديث والأثر وشيء من الاستنباط، وساق ذلك على شكل مسائل في كل باب.
وكتابه سماه بـ “كتاب التوحيد”.
تعريف التوحيد
لغةً: من “وَحَّدَ يُوَحِّدُ” أي إذا أفرد الشيء وجعله واحداً.
شرعاً: هو إفراد الله جل جلاله بما يختص به من ربوبية وإلهية وأسماء وصفات. هذا هو التوحيد في الشرع.
أنواع التوحيد الثلاثة
توحيد الربوبية: وهو إفراد الله بأفعاله؛ يعني أن تقر بأن الله هو الخالق، الرازق، المدبر، المحيي، المميت إلى غير ذلك. وهذا النوع من التوحيد لم يخالف فيه أعداء الرسل بل أقروا به. والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وفي الآية الأخرى: ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾. ولذلك الله جل وعلا لم يبعث الرسل لدعوة الناس إلى هذا النوع من التوحيد ابتداءً، لكنهم كانوا يقررونه لماذا؟ حتى يصلوا إلى الأصل وهو أعظم توحيد: توحيد الإلهية. كانوا يذكرون القوم بهذا التوحيد ليقولون لهم: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾؟ يعني إذا أقررت أن الله خالق، رازق، مدبر، مالك، محي، إذن هو الذي يستحق العبادة.
توحيد الإلهية (أو الألوهية / توحيد العبادة): هو الذي جاء الرسل للدعوة إليه. والله جل وعلا قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. وكل رسول أتى فقال: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.
فهو الإسلام العام الذي ما دخل الجنة أحد إلا به من كل الأمم، وهو الذي ذكره الله جل وعلا في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.
توحيد الأسماء والصفات: هو أن تقر وتعتقد بأن الله جل وعلا كامل في أسمائه وصفاته، وأن تثبت ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من اسم أو صفة، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تكييف.
حول تقسيم التوحيد
هذه أنواع التوحيد الثلاثة التي ذكرتها هي (على قول) أهل العلم تقسيم استقرائي. ذلك بأن العلماء استقرأوا الكتاب والسنة فوجدوا أن التوحيد لا يخرج عن هذه الأنواع الثلاثة.
وغلط وكابر من قال أن هذا التقسيم الثلاثي للتوحيد تقسيم بدعي. وإن شئت تقسيمه إلى نوعين:
توحيد معرفة وإثبات (يدخل فيه الربوبية والأسماء والصفات).
توحيد قصد وطلب (يدخل فيه توحيد الألوهية). وبعضهم يقسمون إلى توحيد علمي (الأسماء والصفات والربوبية) وتوحيد عملي (توحيد العبادة).
إذن، التقسيم هو تقسيم استقرائي إما على قسمين أو على ثلاثة، لكن في الآخر لا بد أن تجد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. فغالط من قال أن هذا التقسيم أتى به شيخ الإسلام ابن تيمية أو ابن القيم أو محمد بن عبد الوهاب. بل هو تقسيم من عهد السلف موجود. ومن قرأ كتب السلف يجد أن هذا قد صرح به علماء كبار من أئمة السلف، منهم:
أبو حنيفة في الكتاب الذي يُنسب له وهو “الفقه الأكبر”.
ابن منده في كتابه “التوحيد”.
الطحاوي في عقيدته. حيث قال في أول العقيدة: “نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: أن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره”. (لاحظ ذكر توحيد الإلهية والأسماء والصفات والربوبية).
ابن أبي زيد القيرواني، وابن عبد البر، والطرطوشي، وابن جرير الطبري في تفسيره “جامع البيان”.
إذن، هؤلاء علماء كلهم قبل شيخ الإسلام ابن تيمية. بل أول سورة في القرآن تقرأها تجد هذا التقسيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. (الحمد عبادة = ألوهية، رب العالمين = ربوبية، الرحمن الرحيم ومالك يوم الدين = أسماء وصفات). إذن كل القرآن، كما قال ابن القيم في مدارج السالكين: “كل القرآن توحيد، من أوله إلى آخره، من الفاتحة إلى الناس”.
ثالثاً: منهج المؤلف في الكتاب وشروحه
منهج الشيخ
منهج الشيخ أنه يذكر الباب بترجمة عنوان، ثم يذكر ما يدل على هذه الترجمة من آي أو حديث أو قول صاحب أو واحد من أئمة السلف، ثم يستنبط مسائل على ضوء ما ذكر من آثار.
وطريقة الشيخ رحمه الله في هذا الكتاب شبهها أهل العلم بطريقة الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه، ذلك بأن آخر كتاب من الجامع الصحيح للبخاري ما هو؟ كتاب التوحيد. فالشيخ كأنه أخذ هذا الكتاب وواصل كتاب التوحيد بصحيح البخاري وواصل على نسقه. ولذلك أهل العلم يقولون: كأن هذا الكتاب “كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد” قطعة من صحيح البخاري. وسيمر معنا بعد نقطة أخرى تشابه بينه وبين صحيح البخاري، لكن لا شك أن الشيخ لم يلتزم الصحة التي التزمها البخاري في الأحاديث.
شروح الكتاب
لا يزال العلماء من عهد الشيخ رحمه الله إلى عصرنا هذا يشرحون هذا الكتاب. وما من عالم إلا وقد شرحه، إما شرحاً مكتوباً أو حاشية أو تلخيصاً لشرح سابق أو أشرطة، وإلا ما من عالم إلا وقد شرح هذا الكتاب واعتنى به.
وأول شرح هو شرح حفيد الشيخ سليمان بن عبد الله المسمى “تيسير العزيز الحميد”. وقد قُتل الشيخ رحمه الله على يد إبراهيم باشا ولم يتم الكتاب، ووقف عند باب ما جاء في منكر القدر. (وإن كان في كلام عبد الرحمن بن حسن أحياناً يشير إلى أنه زاد على هذا الباب، لذلك بعضهم يقول: توقف عند الباب الذي بعده: باب ما جاء في المصورين).
جاء ابن عم سليمان بن عبد الله، وهو عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، فأنهى كتابه “تيسير العزيز الحميد” وهذبه واختصره وأتمه بشرح عجاب، وهو الذي يعتمد عليه العلماء في شرح هذا الكتاب، وهذا الكتاب هو المسمى “فتح المجيد شرح كتاب التوحيد”. اختصر “تيسير العزيز الحميد” وزاد عليه فوائد وأتمه كما بيّنه في مقدمة الكتاب.
وللشيخ عبد الرحمن بن حسن شرح آخر مفرد مختصر سماه “قرة عيون الموحدين”، وهو من أنفع ما يقرأ الإنسان كما أثنى عليه العلماء.
وهناك أيضاً كتاب “فتح الحميد” أظن لعثمان بن منصور. وهذا الرجل لم يهتم العلماء بشرحه وإن كان هو أكبر شرح على كتاب التوحيد، وهو في مجلدين عظيمين، ولعله طُبع بإشراف بكر أبو زيد رحمه الله. هذا الكتاب لم يُطبع إلا مؤخراً لماذا؟ لأن هذا الرجل اُتهم بعدائه لدعوة التوحيد ولأئمة الدعوة النجدية. ولذلك العلماء أعرضوا عن كتبه.
لكن الكتاب نافع، وبعضهم قال: “أن كتابه هذا فيه أمور تبيّن أنه يعادي الدعوة”، وبعضهم قال: “لا، كتابه جيد ولكن عداؤه طرأ بعد كتابة الكتاب”. لكن نحن نقول: طالب العلم يقتني هذا الكتاب ويفيد منه، وما وجده من حق قبله، وما وجده من باطل رده.
ومن الشروح المطولة على هذا الكتاب مثلاً: للشيخ ابن عثيمين المسمى “القول المفيد”، والشيخ الفوزان المسمى “إفادة المستفيد”. وعليه حواشي أنفست، حاشية عبد الرحمن بن قاسم مطبوعة في مجلد، لا شك أنه من أنفع الشروح. وهناك أيضاً كتاب لمحمد منير الدمشقي وغيره من الأئمة.
لكن إذا أراد طالب العلم أن يقتني شرحاً، لا شك أنه لا بد أن يقتني “فتح المجيد”. “فتح المجيد” هو الأصل، ثم إن اقتنى “قرة عيون الموحدين” فخير على خير، و“القول المفيد”.
📖 بدء الشرح: كتاب التوحيد 📖
نشرع الآن في شرح أول كتاب التوحيد.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال شيخ الإسلام والمسلمين محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
كِتَابُ التَّوْحِيدِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الآيَةَ
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصِيَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُهُ فَلْيَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾.
وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ فَقَالَ لِي: «يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟» فَقُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا». أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
شرح الأدلة الأولى
1. “كتاب التوحيد” ثم “بسم الله الرحمن الرحيم”:
هذا لا شك استنان بكتاب الله جل وعلا الذي يُبتدأ ببسم الله الرحمن الرحيم. جاء في بعض نسخ الكتاب ذكر الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وتلك النسخة هي التي اعتمدها عبد الرحمن بن حسن في شرحه لكتاب التوحيد في “فتح المجيد”. لذلك شرح البسملة ثم شرح الحمد لله، لكن أغلب النسخ أن الشيخ لم يذكر مقدمة لكتابه، بل بعد البسملة ذكر “كتاب التوحيد” ثم ذكر الأدلة على ما يريد.
اختلف العلماء لماذا الشيخ لم يبدأ كتابه بمقدمة؟ أسهل ما وجدته، ولعله الأقرب للصواب إن شاء الله تعالى، أن الشيخ رحمه الله كان مستناً بصنيع الإمام البخاري في صحيحه. وهذه قلت لكم نقطة أخرى تشابه بين “الجامع الصحيح” وبين هذا الكتاب في المنهج. لا شك واضح الكلام أن الشيخ لم يبدأ بمقدمة استناناً بما فعل البخاري في صحيحه، ذلك بأن البخاري بعد البسملة ذكر كتاب “كيف بدأ الوحي” ثم ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم “إنما الأعمال بالنيات”.
ولعل هذا من البخاري ومن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله من باب عدم التقديم بين يدي الله ورسوله لقوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. فكتاب التوحيد يتحدث عن التوحيد، والذي بيّن التوحيد أتم بيانه هو الله جل وعلا في كتابه العزيز. فرأى الشيخ أن لا يتقدم بين يدي هذا الأمر الذي هو التوحيد لأنه سيدلل عليه بكلام الله، فلم يقدم بين يدي كلام الله أي شيء، بل مباشرة دخل في مغزى الكتاب. وهذا كما يقول الشيخ صالح بن عبد العزيز: “هذا من من نُوِّر قلبه، وهذا صنيع من نور الله قلبه بالتوحيد حتى أشربه، وصارت أعماله كلها في هذا الأمر أو في سبيله”.
2. قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾:
وبقية الآية: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾.
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ بيان لحكمة الله جل وعلا من خلق الثقلين (الجن والإنس). وبين الله جل وعلا الغاية: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.
جاء تفسيرها عن ابن عباس: “إلا ليوحدون“.
وجاء تفسيرها عن علي واختاره الزجاج وهو الصحيح: أن “ليعبدون” يعني “لآمرهم وأنهاهم”. وذلك مصداق قوله جل وعلا في سورة القيامة: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾. قال الشافعي: “أن لا يؤمر ولا ينهى”. ولذلك الله جل وعلا قال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾.
إذن، الإنسان خُلق لغاية عظيمة، وسَيُرَدُّ لأمر عظيم: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. إذن أمرك خُلقت للعبادة، ولن تُترك هكذا، بل ستؤمر وتُنهى لتبتلَى، فإن نجحت فلك الجنة، وإن فشلت فلك النار. ولذلك الإنسان يجب عليه أن لا يغفل عن الغاية الأساس التي من أجلها خُلق. ولذلك صدق من قال:
“قد هيَّؤوك لأمرٍ لو فطنت به… فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهَمَلِ”
لا بد أن يتذكر الغاية التي من أجلها خلقه الله. إذن: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ يعني إلا لآمرهم وأنهاهم. وأعظم أمر ما هو؟ التوحيد. وأعظم نهي ما هو؟ الشرك. إذن تفسير “يوحدون” يدخل في هذا التفسير.
3. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾:
وبقية الآية: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾.
إذن الله جل وعلا بيّن في هذه الآية أنه بعث في كل أمة رسولاً لماذا؟ ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.
في هذه الآية بيان للنفي والإثبات، ذلك بأن “لا إله إلا الله” معناها: “لا معبود بحق إلا الله” أو “لا معبود حق إلا الله”.
“لا إله”: نفي (ليس هناك معبود).
“إلا الله”: إثبات (أن المعبود الحق هو الله جل جلاله).
هذه الآية فيها النفي والإثبات: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ هذا ما هو؟ إثبات. ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ هذا نفي.
وكما يقول ابن القيم: “النفي المحض ليس توحيداً، بل لا بد من نفي وإثبات”. ولذلك بعضهم يقولها بطريقة لطيفة:
”إن من نفى ولم يثبت فقد ألحد” (يقول: لا إله، لا يؤمن بحتى إله، فهو ملحد).
”ومن أثبت ولم ينفِ فقد أشرك” (كالمشركين عبدوا الله ولكن لم ينفوا عنه الشريك، فهؤلاء قد أشركوا).
”ومن نفى وأثبت فقد وَحَّد“. وهذا كمال التوحيد وهو معنى لا إله إلا الله، وهو الذي جاء في قوله جل وعلا في الزخرف: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ (نفي لكل آلهة)، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ (دلالة بالربوبية على الإلهية)، ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ يعني الأنبياء من بعده.
تعريف الطاغوت:
الطغيان هو مجاوزة الحد. الطاغوت هو اسم جامع لكل ما تجاوز به العبد حده.
تفسير ابن القيم من أجمع التفاسير، حيث قال رحمه الله:
“الطاغوت هو اسم جامع لكل ما تجاوز به العبد حده من متبوع أو معبود أو مطاع”
ومن عُبد وهو غير راض الصحيح أنه لا يسمى طاغوتاً. عيسى عليه السلام عُبِد من طرف النصارى، هل هو طاغوت؟ بعضهم يقول: يجوز أن تطلق عليه طاغوت لا لنفسه، لكن لأنهم عبدوه. لكن الشيخ سليمان بن عبد الله في “تيسير العزيز الحميد” يقول: “لا، من عُبد وهو ليس براض فهو ليس بطاغوت”. ولذلك ابن القيم بعدها قال: “ورؤوس الطواغيت خمسة”، وذكر منهم من عُبد وهو راض، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، وإبليس، ومن ادعى شيئاً من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل الله.
4. قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾:
“قضى” يعني: أمر ووصَّى.
﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾: نفي.
﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾: إثبات. (التوحيد نفي وإثبات).
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: وكثيراً ما يقرن الله جل وعلا بين طاعته وبين طاعة الوالدين، أو بين حقه وحق الوالدين، لماذا؟ لبيان أن حق الوالدين من أعظم الحقوق بعد حق الله جل جلاله.
للفوائد: ﴿إِحْسَانًا﴾ جاءت نكرة، تعم كل إحسان، بياناً بأن الوالدين يستحقان كل إحسان. هنا قال: “إحساناً” لم يعرفه، إذن هما يستحقان كل إحسان.
5. قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾:
هذا ظهر وبان فيه نفي وإثبات.
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾: هذا إثبات.
﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾: هذا نفي. و “شيئاً” تفيد إذا لا تشرك به أي شيء. كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.
6. قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الآية:
هذه الآية تسمى آية الوصايا العشرة.
أثر ابن مسعود:
عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصِيَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُهُ فَلْيَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾.
هذا الأثر عن ابن مسعود فيه ضعف، بل هو ضعيف.
معنى كلام ابن مسعود من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه: الشيخ ابن عثيمين في “القول المفيد” يقول: أن معنى كلام ابن مسعود رضي الله عنه أن هذه الآيات والوصايا فيها جماع الدين كله من توحيد وأخلاق وما إليه.
القول الآخر قالوا: أن المقصود أن هذه الآيات بمثابة الوصية لأنها لم تُبدَّل ولم يُزَد فيها ولم تُنسخ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يوصِ إلا بكتاب الله، وهذه من كتاب الله لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله” رواه مسلم في الصحيح. إذن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان مُوصياً بشيء لأوصى بهذه الآيات، ذلك أن فيها جماع الدين كله.
7. حديث معاذ بن جبل:
وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ فَقَالَ لِي: «يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟»… الحديث.
“رديف” يعني: وراءه على الدابة.
قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: “أتدري ما حق الله…” هذا تعليم بصيغة الاستفهام، وهذا لا شك من أدب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أسلوبه الجميل في تعليم الناس.
حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً؛ إذن هذا الحق الذي افترضه الله جل وعلا على العباد، ولذلك سمى الشيخ كتابه “كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد”.
حق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً؛ هل للعباد حق على الله جل جلاله؟ الجواب: نعم، لكن هذا الحق من الذي أحقه على نفسه؟ الله جل جلاله. كما حرم على نفسه: ﴿إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا﴾. إذن فالله جل وعلا له أن يوجب على نفسه أموراً ويحرم على نفسه أموراً بحكمة بالغة، وهذا حق فضل وامتنان.
«لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا»: لكن معاذاً أخبر بهذا الحديث قبل موته. قال الحافظ ابن حجر في “الفتح”: “يحتمل أن يكون أن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمر ليس للتحريم ﴿لَا تُبَشِّرْهُمْ﴾ ليس للتحريم، لأنه لو كان للتحريم ما فعله معاذ. لكن المقصود لا تبشر به الذي هو قليل العلم فيتكل عليه”.
فائدة: تتبع ابن منده رحمه الله كما ذكر الحافظ في “الفتح” من ركبوا مع النبي صلى الله عليه وسلم على دابة، وصنف مصنفاً في ذلك، فبلغوا ثلاثين نفساً.