✍️ الدرس الثاني في شرح كتاب التوحيد
قد مرَّ معنا في الدرس الأول مقدمة حول منهجية المؤلف، حول التعريف به تعريفًا مختصرًا، وحول أنواع التوحيد، وحول شروح الكتاب. ثم مرَّ معنا أول الكتاب، يعني قول المؤلف: كتاب التوحيد، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.
ما معنى ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ﴾؟
أنت لست تقرأ! لا أعرف أنه وحيد، لكن هنا الصحيح “لأمتهم بما أمرتهم” أو “لآمرهم بما أمرهم”، وأعظم أمرٍ هو التوحيد، وأعظم نهي هو الشرك. وقد نسيت أن أذكر عند هذه الآية مبحثًا هامًا للشنقيطي رحمه الله من أضواء البيان، حيث قال:
”التحقيق إن شاء الله” – هذا كلام الشنقيطي يعني في معنى هذه الآية – “قال التحقيق إن شاء الله في معنى هذه الآية الكريمة ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي لآمرهم بعبادتي وأُثيبهم، أي أختبرهم بالتكاليف ثم أجازيهم على أعمالهم؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر”.
يعني: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ يعني لآمرهم، فيأتمروا فأُثيبهم، ولينتهوا عما نُهوا عنه فأُثيبهم؛ فإن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًا فشر. إذن، الله جل وعلا خلق الخلق لماذا؟ ليبْتليهم. واضح؟ هذا كلام الشنقيطي رحمه الله تعالى.
وقوله جل وعلا: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ أيضًا نسينا مبحثًا وهو: تعريف العبادة لغة وشرعًا، وما هي أركانها، وما هي شروطها؟
العبادة لغة مشتقة من ماذا؟ من “عَبَدَ يَعْبُدُ”، يعني التذلُّل. أصلها كذلك. قال: “طريق معبَّد” يعني مُذلَّل ومُمهَّد. قال طَرَفَة بن العبد:
”إلى أن تَحَمَّتْنِي العشيرة كلها … وأُفْرِدْتُ إفرادَ البعير المُعَبَّدِ”
يعني: البعير المُذلَّل.
والعبادة شرعًا ما هو تعريفها؟
أحسنت: “اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة”. مقدمة مهمة؛ لأننا سنرى في ثنايا الكتاب أن كل أمر أمر الله جل وعلا به إذن هو يحبه، وإذا علمنا أن الله يحبه يدخل في مفهوم العبادة، إذن هو عبادة. فإذا تقرَّر أنه عبادة، تعلم أن صرفه لغير الله شرك أكبر مخرج عن الدين وناقل عن ملة الإسلام. هذه مقدمة مهمة. إذن هذا تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
والعبادة تنبني على ركنين عظيمين، غير الشرطين. الركنان ما هما؟ نعم، نقول: كمال الحب والتعظيم مع كمال الذل والخوف. وهذا أولى أن تقول الخوف والرجاء. إذن العبادة تنبني على ماذا؟ على كمال الحب والتعظيم مع كمال الذل والخوف.
يقول ابن تيمية رحمه الله:
”فإذا أحببت شخصًا ولم تكن خاضعًا له وذليلاً لم تعبده، وإذا خضعت لشخص ولم تكن له محبًا لم تعبده، فإذا اجتمع الحب والتعظيم مع الخوف والخضوع أصبحت عبادة”.
واضح؟ هذا أركان العبادة.
ولذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:
”وعبادة الرحمن ماذا؟ غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان أو في نسخة يقول: هما أصلان وعليهما فلك العبادة دائر. ما دار حتى قامت الأصلان، وما دارت بالأمر، أمر رسوله لا بالهوى والنفس والشيطان”.
ويقول أيضًا في بيت آخر يقول:
”ليس العبادة غير توحيد المحبة … مع خضوع القلب والأركان”
واضح الكلام؟ وهذا البيت لعله يشمل المقيلة في الثلاث. محبة مع خضوع، هذه هي العبادة.
طيب، شروطها؟ شرطان، ما هما؟
الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله. وهذا هو مفهوم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا إله إلا الله يعني: لا أتوجه بأي عمل إلا لله أو لوجه الله إخلاصًا. ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: لا متبوع بحق إلا هو.
ولذلك يقول ابن القيم رحمه الله يقول:
”لله حق لا يكون لعبده … ولعبده حق هما حقان”
حق الله ما هو؟ الإخلاص والتوحيد. وحق رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المتابعة. ولذلك يقول:
”والرب رب والرسول فعبده … كلا وليس لنا إله ثاني”
إذن، هذا بالنسبة للعبادة، والمبحث مهم.
قول المؤلف ذكر قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾ فيه تنبيه على أن كل رسول أتى لدعوة الناس إلى ماذا؟ إلى التوحيد والكفر بالطاغوت.
طيب، الطاغوت ما هو تعريفه؟
نعم، كل ما تجاوز به العبد حده؛ متبوع أو معبود أو مُطاع. ورؤوس الطواغيت خمسة، ما هي؟
نعم. وهنا مبحث وفائدة: قول المؤلف رحمه الله، هو قول ابن القيم، “إبليس لعنه الله”. صحيح أن لا يُقال على إبليس: “لعنه الله”؛ لأنه جاء في حديث رواه تمام في فوائده وذكره الشيخ بكر في المناهي اللفظية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تلعنوا الشيطان، فإنه يتعاظم”. وقد ورد هذا أيضًا في حديث صحيح يعضده ثابت ومعروف قول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يقول أحدكم: تعس الشيطان، فإنه لا يزال يتعاظم، بل يستعيذ بالله من شره”. ولذلك الأولى أن لا يقال: “لعنه الله”، بل يقال: “نعوذ بالله من شره”. وهذا هو الوارد في القرآن، قال جل وعلا: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
كيف لا اعتراض؟ ما هو؟ فالله تعالى لعنه الله. نعم، لعنه الله، لكن لم يأمرنا بلعنه، واضح؟ لكن هنا ورد الأمر بالاستعاذة من شره، لكن لم يرد الأمر بلعنه. مع صريح السنة، حجتك ولا غيرها، على كل مبحث موجود في المناهي اللفظية.
إذن الطاغوت، إبليس. ثم هذا آخر ثلاثة الأصول يكون محفوظ. نعم، مَن عُبد وهو راضٍ بعبادة نفسه، هذا طاغوت. ومَن دعا الناس إلى عبادة نفسه، وإن مفهومه وإن لم يُعبد، مجرد أنه دعا الناس إلى عبادة نفسه، هذا طاغوت من دون الله. الرابع: مَن ادعى شيئًا من علم الغيب. والخامس: مَن حكم بغير ما أنزل الله. وفي المسائل تفصيل، لكن هذا مبحثه في آخر ثلاثة الأصول.
طيب، فائدة حول الطواغيت التي ذكرتها في قوله جل وعلا في سورة الزمر: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾. وهنا قال العلماء: إن الله عز وجل استعمل في هذه الآية ضمير التأنيث الذي يفيد أن الطاغوت أنواع كثيرة، ولم يقل: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهُ﴾، قال: ﴿أَن يَعْبُدُوهَا﴾. دلَّ على أن الطواغيت كثير. رؤوس الطواغيت خمس، وأنا قرأت كلامًا، ولعله للحافظ ابن حجر أو غيره، أو للنووي، بل لكليهما لعل، أن كل من دعا إلى ضلالة فهو طاغوت. وذا لا شك يدخل فيه سير من الناس. فلا يُقترن الطاغوت بأنه يكون كافرًا. ليس كل طاغوت كافرًا، بل قد يكون طاغوتًا وهو ليس بكافر، واضح؟
طيب، هل مَن عُبد وهو غير راضٍ هل يُسمى طاغوت؟ عيسى عليه السلام عُبد وهو غير راضٍ، ألم يتبرأ منهم؟ هل يُسمى طاغوت أم لا؟ قال به بعض الناس. قال بعض العلماء يُسمى طاغوت، لكن لا لنفسه، بل لأن غيره عبده. لكن الصحيح هو اختيار الشيخ سليمان في التيسير قال: “والذي عُبد وهو غير راضٍ لا يُسمى طاغوت، بل نسمي طاغوت مَن عُبد وهو راضٍ بعبادة الناس له”.
طيب، قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ فيه بيان بضرورة النفي والإثبات. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ تقابل في لا إله إلا الله الإثبات. و ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ تقابل النفي.
طيب، قوله جل وعلا: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ قول ابن مسعود، ما معنى قول ابن مسعود رضي الله عنه؟ له معنيان. المعنى الأول: أنه لو أوصى صلى الله عليه وسلم، أوصى بهذه الوصايا العشرة. جميل. المعنى الثاني: أن جوامع خاتم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم جوامع هذه الوصايا. نعم؛ لأن هذه الوصايا عليها تدور رسالة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلو كان موصيًا بشيء لا أوصى بها؛ لأنها لم تُغيَّر ولم تُبدَّل، ولم يُزد فيها ولم يُنقص، وهي من كتاب الله. والنبي صلى الله عليه وسلم أوصى الناس بكتاب الله. ذكرت هذا الكلام أم لا؟ أقول لا، بذلك تلك الوصية التي جمع الأنبياء. لا لم أقول هذا، لكن لا شك أن الأنبياء عمومًا دعوا إلى هذه الأمور، لكن قد يختلف في بعض تفاصيل الشرائع، لكن رأس الأمر الإسلام، هذا اتفق فيه ولم يختلف. “نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات، ديننا واحد وشرائعنا شتى”.
حديث معاذ في الصحيحين: “يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد وحق العباد على الله؟” ما هو؟ حق الله على العباد: “أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا”. وحق العباد على الله: “أن لا يعذب مَن لا يشرك به شيئًا”. هل لنا على الله حق؟ كيف إنسان يكون عند الله حق؟ طبعًا أوجبه الله على نفسه. أحسنت، إذن هو حق، لكن لم يُوجبه نحن، بل الله يوجب على نفسه ما يشاء. وهل له أن يُحرِّم على نفسه ما يشاء؟ هل يُحرِّم على نفسه؟ لا. هل له أن يُحرِّم شيئًا آخر؟ لا. ما الدليل؟ هذا دليل عام أصيل في مسلم حديث أبي ذر: “حَرَّمْتُ الظُّلْمَ على نفسي”. واضح الحديث؟ إذن الله جل وعلا يُحرِّم ويُوجب على نفسه ما يشاء. وحقنا على الله فضل ومنة، ت فضَّل الله جل وعلا بها علينا، لكن حق الله علينا واجب، ليس لنا أن نحيد عنه، بل واجب. إذا أردت الجنة، اعبد الله ولا تشرك به شيئًا.
📝 شرح الباب الأول من كتاب التوحيد
هذا تقريبًا جملة ما مرَّ معنا في الدرس الماضي. اقرأ الباب الأول. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال شيخ الإسلام والمسلمين محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب
وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾.
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ” أخرجاه.
وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ عِتْبَانَ: “فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ”.
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ مُوسَى يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ، قَالَ: “قُلْ يَا مُوسَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ”، قَالَ: يَا رَبِّ كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا، قَالَ: “يَا مُوسَى، لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ” رواه ابن حبان والحاكم وصححه.
وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَنَسٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: “يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً”.
شرح المتن
قال المؤلف رحمه الله: “باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب”.
”ما” هنا قد تكون موصولة، ومعناها: “باب فضل التوحيد والذي يكفره من الذنوب”. وقد تكون مصدرية، ويكون معناها: “باب التوحيد وتكفيره للذنوب”. قال عبد الرحمن بن حسن: “وهو الأظهر”، يعني الثاني.
قال: ﴿وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾.
كلكم يعلم حديث النبي صلى الله عليه وسلم، أو الحديث الذي رواه ابن مسعود، وخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما: أن لما نزلت هذه الآية أشكل ذلك وشقَّ ذلك على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، وأينا لم يظلم نفسه؟ الله تعالى قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾. ففهم الصحابة أنها أيُّ ظلم، أي ظلم؛ لأنها جاءت في صيغة عموم نكرة، فقَالُوا: يا رسول الله، وأينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لَيْسَ الظُّلْمُ الَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ، إِنَّمَا الظُّلْمُ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ لُقْمَانَ – وفي لفظ الرجل الصالح -: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾”.
إذن، ما المقصود هنا بالظلم؟ يعني مفهوم الآية: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بشرك.
فإذا قلت: اللفظ يدل على العموم، ماذا يقال؟ أحسنت، خصصته السنة. فإذا هو يكون عموم مراد به التخصيص والخصوص. ولذلك ولكن بعض أهل العلم حمل الظلم على إطلاقه، وهو اختيار أبي العباس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكنت أقول: يختار هذا ولعله الأظهر. نعم، النبي صلى الله عليه وسلم ضرب مثالًا على الظلم الذي يمنع الأمن والاهتداء التام، لكن الآية على عمومها، فعلى قدر الظلم ينقص الأمن والاهتداء. فهمت الكلام وواضح الكلام؟
إذن، كلما زاد ظلم العبد، والظلم كم من نوع؟ الظلم كم من نوع؟ ثلاثة: الأول الشرك، وإن كان شيخ الإسلام يَدْخُلُ نوعين: ظلم العبد نفسه، وظلم العبد غيره. وظلم العبد نفسه على نوعين: الظلم بالذنوب والمعاصي، والظلم بالشرك. والشرك نوعان: شرك أكبر وشرك أصغر. فإذا كان أكبر يمنع الأمن والاهتداء بالكلية، وإذا كان أصغر ينقصه ولا يعدمه بالكلية. أما الذنوب والمعاصي، فمن المُتقرِّر في عقيدة أهل السنة أن الذنوب والمعاصي ما مُعظَمها تخرج العبد ولا تنقله عن ملة الإسلام.
إذن، كلما زاد الظلم قلَّ الأمن. فإذا وصل هذا الظلم إلى حد الكفر والشرك الأكبر، امتنع معه الأمن والاهتداء التام.
طيب، الأمن والاهتداء هنا قال بعضهم: الأمن في الآخرة والاهتداء في الدنيا، لكن الصحيح أنه هو أمن واهتداء في الدنيا وفي الآخرة، وهو الصحيح. إذن، كلما زاد الظلم قل الأمن والاهتداء.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى – ونقل كلامه صاحب فتح المجيد، كلام جميل بما لا مزيد عليه – قال: “إجابة النبي صلى الله عليه وسلم كانت حول الظلم الرافع للأمن والاهتداء الكامل وهو الشرك، والمقصود به الشرك الأكبر هنا”. قال: “وهذا – والله كذكر ابن القيم – قال: وهذا والله الجواب الذي يشفي العليل ويروي الغليل، فإن الظلم المطلق التام هو الشرك، الذي هو وضع العبادة في غير موضعها. والأمن والهدى المطلق هو الأمن في الدنيا والآخرة والهدى إلى الصراط المستقيم”. قال: “فالظلم المطلق التام” – شوف كلامه – “الظلم المطلق التام رافع للأمن والهدى المطلق التام”. صح، إذا وصل الظلم إلى حده الشرك الأكبر، فهو يمنع الاهتداء والأمن بالكلية. قال: “ولا يمنع ذلك أن يكون مطلق الظلم مانعًا من الأمن ومطلق الهدى، فتأمله. فالمطلق للمطلق والحص للحص”. فهمت كلامه؟ يعني: إذا كان الظلم كاملًا يمنع إطلاقًا، وإذا كان شيء من الظلم قد يمنع وقد لا يمنع؛ لأن المتقرر أن الذنوب والمعاصي إذا وقعت قد يغفرها الله وقد يتجاوز عنه؛ لقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. فإن مات المرء على كبيرة من غير توبة، ماذا يُقال؟ إن شاء الله عذَّبه وإن شاء غفر له.
طيب، إن مات على شرك أكبر عالمًا به، هل بقي معه هذا أمن؟ الجواب: لا.
طيب، إن مات على شرك أصغر، هل نجزم بتعذيبه في النار؟ خلاف، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هو نفسه قوله يتذبذب، لكن اختار بعضهم أن القول الذي استقر عليه: أنه يرى أن أي شرك وإن كان أصغر لا بد أن يُعذَّب صاحبه عليه، وأنه لا يُغفر. وبعضهم قال: لا، هو داخل في ميزان الحسنات والسيئات. واضح الكلام؟ وهذا يأتي في باب الخوف من الشرك في أبواب قادمة إن شاء الله.
إذن، كلام ابن القيم يُتدبَّر. وإذن، كلام شيخ الإسلام قال: الآية على أي ظلم، فعلى قدر الظلم ينقص الأمن والاهتداء. قل الظلم يقل. فإذا وصل، انتفى الظلم ضُمن الأمن والاهتداء.
طيب، إذا وصل الظلم إلى حد كبير، لكن لم يصل إلى حد الشرك الأكبر، هنا نقول: سيأمن هذا الرجل ويهتدي، ولو عُذِّب؟ فنعم؛ لأن بما أنك لم ترتكب الشرك الأكبر، الجنة مضمونة أم غير مضمونة؟ ولم يأت بناقض من نواقضها. إذن هو سيهتدي في الآخرة يقينًا، لكن اهتداؤه لا يمنع أن يكون قد عُذِّب قبلها. ويأتي هذا المعنى في حديث عتبان بعدها إن شاء الله تعالى. إذن واضح هذا المبحث.
قال: “وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ”.
قوله: “مَنْ شَهِدَ” يعني: تكلم بها عارفًا بمعناها، عاملًا بمقتضاها ظاهرًا وباطنًا. شهد يعني: اعترف وأقر بقلبه ونطق بلسانه، عارفًا بمعناها، عاملًا بمقتضاها باطنًا وظاهرًا. وإلا إذا أقر الإنسان بها ولم يتلفظ بها، ليس بمؤمن؛ لأن الإيمان قول وعمل واعتقاد. أبو طالب كان يُقر بأن النبي صلى الله عليه وسلم صادق، وصرح هو بذلك بنفسه. قال:
”وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ ابْنَنَا لاَ مُكَذَّبٌ … لَدَيْنَا وَلاَ يُعْنَى بِقَوْلِ الأَبَاطِلِ”
وقال في بيت له آخر أو في أبيات له أخرى يقول:
”وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ … مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ البَرِيَّةِ دِينَا
لَوْلاَ المَلاَمَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّةٍ … لَرَأَيْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينَا”
يعني: لولا خشية القوم لصرحت بها. إذن، هل هو مُقر بصدقه أم لا؟ لكن هل نفعته؟ لا. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم له في صحيحين، حديث ويأتي معنا إن شاء الله في باب قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، حديث المسيب بن حزن والد سعيد بن المسيب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في وفاته في مرضه الذي توفي فيه، ماذا قال له؟ قال: “يَا عَمِّ، قُلْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ”. فلما لم يقلها، ماذا وقع؟ مات على غير ملة التوحيد، وإن كان مُقرِّرًا بصدق النبي صلى الله عليه وسلم. لا بد من النطق بها والاعتراف بها، عالمًا بمعناها، عاملًا بمقتضاها باطنًا وظاهرًا.
قوله: “وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ” قال الحافظ: تأكيد بعد تأكيد لبيان عظم مقام التوحيد.
قوله: “وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ”. محمد هو النبي صلى الله عليه وسلم، النبي القُرَشِيّ الهاشمي، أرسله الله جل وعلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: “وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ”: عَبْدُه ترد على مَن أفرط، ورَسُولُه ترد على مَن فرط. فـ عَبْدُه ترد على مَن ألهه وبلغ بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى جعل له من صفات الربوبية والإلهية بما لا يختص به إلا الله جل جلاله، كما فعل ذلك غُلاة الصوفية وغيرهم ممن ضل في هذا الباب. ورَسُولُه ترد على مَن أنكر رسالته بالكلية كأهل الكتاب وغيرهم ممن بُعث فيهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو ممن ألحد بالكلية.
وقوله: “عَبْدُهُ” لا شك أن وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه عبد لله أرفع مقام وُصف به عليه الصلاة والسلام؛ فإنه قد بلغ في العبودية الغاية. ولذلك الله جل وعلا إذا أثنى على رسوله في القرآن ناداه باسم العبد: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾. وقال جل وعلا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾، سورة الجن، يعني: لما نزل عليه الجن، المقصود عبد الله هنا النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث عمر: “لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ”. طيب، ويأتي معنا هذا في باب حماية المصطفى جناب التوحيد وفي أبواب أخرى تأتي إن شاء الله تعالى.
قوله: “وَرَسُولُهُ”. النبي صلى الله عليه وسلم نبي مُرسَل من عند الله. والرسول هو: مَن أوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه إلى قوم مخالفين على الصحيح.
قوله: “عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ”.
أولًا نشهد أن لا إله إلا الله معناها: لا معبود بحق إلا الله. وهذه لا بد من التذكير بها، وتأتي في باب ترشيد شهادة لا إله إلا الله، لكن نذكر بها الآن: أن لا إله إلا الله معناها: لا معبود بحق إلا الله؛ لأن أَلَهَ في اللغة ما هي؟ أَلَهَ: عَبَدَ. لكن ليس مجرد عَبَدَ، أحسنت، عَبَدَ عن حب وتعظيم. قال الراجز وهو رؤبة بن العجاج قال:
”لله دَرُّ الغَانِيَاتِ المُدَّهِي … سَبَحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهِي”
يعني: من عبادتي أو من تعبُّدي. إذن، أَلَهَ: عَبَدَ عن حب وتعظيم. وقوله لا إله معناها: لا مألوه كـ كتاب بمعنى مكتوب، وفراش بمعنى مفروش. إذن، لا مألوهًا، يعني: لا معبودًا إلا الله. لكن الجواب هنا يُقال: كيف يُقال: لا معبود إلا الله ونحن نرى أن كم من معبود يُعبد من دون الله؟ أحسنت، إذن لا بد من إضافة الأمر. إذن هنا الخبر قد حُذف، تقديره: حَقٌّ. لقوله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. إذن هنا الخبر قد حُذف، وهذا أسلوب عربي معروف وشاع في ذا الباب: “إذ المراد مع سقوطه ظهر” كما قال ابن مالك في الألفية. ويأتي في بابه إن شاء الله تعالى، في الألفية الذي قاله في الكافية الشافية الذي قاله في الكافية الشافية الآخر: “ومر أن نفيا بلن” هذا في الألفية.
قوله: “وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ”. أيضًا عَبْدُهُ ترد على مَن أله عيسى، ورَسُولُهُ ترد على مَن أنكر رسالته عليه الصلاة والسلام.
و “وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ”. ما هي الكلمة التي ألقاها الله إلى مريم؟ كُنْ. إذا أراد شيئًا يقول له: كُنْ فَيَكُونُ. فالله جل وعلا أرسل جبريل بنفخ الروح أو أرسل عند مريم عليها السلام في جيبها، ولكن هو ما خُلق إلا بكلمة الله. إذن هذه هي كلمة الله. كيف؟ كما قال الله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. إذن هذه هي الكلمة.
طيب، في هذا دليل على أن كلام الله ماذا؟ صفة من صفاته. أحسنت، وإذا هو غير مخلوق. لأن هل لمخلوق أن يَخْلُق بهذه الطريقة؟ هذا استدل به أصحاب الشافعي في فترة المحنة وما إليه، قالوا: كُنْ كلام الله، وهي تَخْلُق، دل على أن كلام الله ليس بمخلوق. وهذه فائدة مهمة.
قوله: “وَرُوحٌ مِنْهُ”. هل مِنْهُ للتبعيضية؟ إذن هي للابتداء، أو ابتدائية من الله، يعني: روح من أمر الله نفخها الله جل وعلا، أو أمر الله جل وعلا بنفخها، فما نُفخت إلا بإذن الله. وهذا كقوله جل وعلا – وهذه دونتها للفائدة – قال جل وعلا في الجاثية: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾. إذن هل لا يقول للطبعية؟ لا، بل هي للابتداء؛ لأن ما صار شيء إلا بمشيئة الله وبقدرته. وقوله جل وقوله: “وَرُوحٌ مِنْهُ”. إذن أضاف الروح إلى نفسه، هذا إضافة تشريف.
طيب، ما يضاف إلى الله أقسام، ما هي؟ ما هي؟ إما إضافة شيء يقوم بنفسه للتشريف، وما لا يقوم بنفسه معنا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف. أحسنت، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: “بيت الله”. وقول الله جل وعلا: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾. الناقة تقوم بنفسها أم لا؟ الناقة شيء كائن، إذن هي إضافة تشريف: عبد الله، بيت الله. طيب، كلام الله، هل الكلام يقوم بنفسه؟ رجل كلام وحده يمر. إذن هنا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف.
طيب، نعم.
قال: “وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ”. الجنة ما أعد الله لأوليائه، والنار ما أعد الله لأعدائه. وكما يقول الطحاوي: “والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان”. الجنة مخلوقة الآن، وقد أعدت لأهل الكرامة، والنار مخلوقة الآن، وقد أعدت لأهل الإهانة، جعلني الله وإياكم من أهل الجنة.
“فَإِنَّ قَدَّمَ سَيِّئَاتٍ رَجَحَتْ فَقَدْ يَدْخُلُ النَّارَ”. وبعضهم قال: “عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ” على حسب درجة عمله تكون درجته في الجنة. ويحتمل هذا ويحتمل هذا.
قال: “وَلَهُمَا”. قوله قبل: “أَخْرَجَاهُ”. ما المقصود؟ البخاري ومسلم. فقوله: “وَلَهُمَا” يعني: البخاري ومسلم في صحيح حديث عتبان: “فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ”.
إذن، الله جل وعلا حرَّم على النار مَن قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله جل جلاله. هنا التحريم قد يكون أبديًا، وقد يكون أمديًا. فمَن قال لا إله إلا الله وعمل بمقتضاها وكمل شروطها من عمل وما إليه، فهذا يكون دخوله دخولًا أبديًا. والدخول دائمًا أبدي، لكن يكون تحريمه على النار تحريمًا أبديًا، يعني: لن يدخلها أبدًا، جعلني الله وإياكم منهم.
والثاني قال لا إله إلا الله مبتغيًا بها وجه الله، لكنه لم يُكمل معها، وجاء معها بسيئات رجحت على حسناته، فهذا قد يكون تحريمه تحريمًا أمديًا، من حيث أنه يدخل الجنة، لكنه لا يُخلد فيها، وهو حال الموحدين. كيف يدخل النار؟ عفوا، ولا الجنة، مَن دخلها فلا يخرج منها، لكن النار إذا دخلها الموحد يخرج منها، والذين هم أهلها فهؤلاء أصحاب الشرك الأكبر، فلا يخرجون منها: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾.
إذن، قال الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حول هذا المقام، قال: خلاصة كلامه: إما الذي يدخل النار وقد قال لا إله إلا الله أمرًا، إما أن يقولها إما أن يقول لم يقلها بصدق ويقين، وهذا حال المنافقين: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. إذن قالوها بأفواههم ولكن لم يوافق اللسان القلب، إذن هؤلاء يدخلون النار: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾.
أو يكون قد قالها صادقًا عالمًا وبيقين، لكنه اكتسب مع ذلك سيئات رجحت على حسناته، فهذا يدخل النار، لكن يدخلها فترة ومآله النهائي يكون إلى الجنة. رأيتم التفصيل؟
مَن دعا إلى التوحيد بهذه الطريقة؟ يعني كلام أهل العلم تفصيل في كل مبحث. هو قد دعا إلى التوحيد بالتفصيل؛ لأن الدعوة إلى التوحيد لا يجب أن تكون بالعموم: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا في هذا الوقت، لا لا بد من التفصيل. أما الدعوة بالعموم، فلا. فالذي هذا نقوم به بالدرجة تفصيل الأمور حتى يكون المرء على بيِّنة من أمره، وذلك يقول ابن القيم رحمه الله: “عليك بالتفصيل والتبيين، فالإطلاق والإجمال دون بيان، قد أفسد هذا الوجود وخبَّط الآراء والأذهان كل زمان”.
قوله: “وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ”. إذن موسى طلب من الله جل وعلا شيئًا من الذكر يختص به. قوله: “أَذْكُرُكَ” يعني: أُثني به عليك. و “أَدْعُوكَ” يعني: أسألك به. فالله جل وعلا قال: “قُلْ يَا مُوسَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ”. قال: يا رب، كل عبادك يقولون هذا. قال: “يَا مُوسَى، لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ”.
“وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي” يعني: عمارة معنوية بالذكر وما إليه. فلا إله إلا الله ترجح بكل ذكر وبكل عمل. وهذا نظير حديث البطاقة، تلك البطاقة التي كُتب فيها لا إله إلا الله رجحت بكل تلك السجلات من الخطايا التي قد بلغت مُدَّ البصر. قال: “رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ”. ولكن الحديث ضعيف ولا يصح.
قال: “وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَنَسٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى”. إذا قال الله تعالى يعني: الحديث حديث قدسي، وهو: المعنى من الله واللفظ من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
“يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا” يعني: ما يقارب الأرض كلها خطايا، “ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً”. إذن هنا شرط غفران الذنوب أن يكون المرء موحدًا وأن لا يأتي بشرك. والحديث صحيح ومعروف.
إذن، هذا أليس فيه عظم التوحيد، وأن المؤمن مهما اجترح من السيئات، ما دام معه أصل التوحيد فإنه في الآخرة لا محالة فائز؟ لكن المرء الكيِّس الفطِن والذي علم حقيقة الله والدار الآخرة وعلم ما أعد الله لأعدائه في النار، علم أنه لا ينبغي له أن يفكر في النجاة المؤقتة، بل لا بد أن يفكر في النجاة الكلية من النار، فيأتي بلا إله إلا الله ومع مُقتضَياتها من شروط وأركان ومُقتضَياتها من عمل وإخلاص ومتابعة. ولذلك مفتاح الجنة لا إله إلا الله، لكن هل يفتح المفتاح بدون أسنان؟ الجواب: لا. قال ابن القيم رحمه الله قال:
”هَذَا وَفَتْحُ الْبَابِ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ … إِلَّا بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانُ”
يعني لا بد من لا إله إلا الله مع ما معها من الطاعات. واضح الكلام؟
طيب، أختم الباب بكلام هو طويل للسعدي رحمه الله تعالى في القول السديد، لكني رأيت من الصالح قراءة ما قال لعظم كلامه ولغزارته ولتتم الفائدة إن شاء الله تعالى.
قال رحمه الله تعالى:
“ومن فضائله” – يعني يتحدث عن التوحيد في كتابه القول السديد – قال: “ومن فضائله أنه السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة ودفع عقوبتهما. ومن أجل فوائده أنه يمنع الخلود في النار إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة خردل. وأنه إذا كمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية”.
“ومنها: أنه يحصل لصاحبه الهدى الكامل والأمن التام في الدنيا والآخرة”.
“ومنها: أنه السبب الوحيد لنيل رضا الله وثوابه”.
“وأن أسعد الناس بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه”.
“ومن أعظم فضائله: أن جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها، وفي كمالها، وفي ترتب الثواب عليها على التوحيد. فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله، كملت هذه الأمور وتمَّت”.
“ومن فضائله: أنه يسهل على العبد فعل الخير وترك المنكرات ويسليه عن المصيبات. فالمخلص لله في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات لما يرجو من ثواب ربه ورضوانه، ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي لما يخشى من سخطه وعقابه”.
“ومنها: أن التوحيد إذا كمل في القلب، حبب الله لصاحبه الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين”.
“ومنها: أنه يخفف عن العبد المكاره ويهون عليه الآلام. فبحسب تكميل العبد للتوحيد والإيمان، وتلقيه المكاره والآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة وتسليم ورضا بأقدار الله المؤلمة”.
“ومن أعظم فضائله: أنه يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم، وهذا هو العز الحقيقي والشرف العالي. ويكون مع ذلك متألِّهًا متعبدًا لله لا يرجو سواه ولا يخشى إلا إياه ولا ينيب إلا إليه. وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه”.
“ومن فضائله التي لا يلحقه فيها شيء: أن التوحيد إذا تمَّ وكمل في القلب، وتحقق تحققًا كاملًا بالإخلاص التام، فإنه يصير القليل من عمله كثيرًا، وتضاعف أعماله وأقواله بغير حصر ولا حساب. ورجحت كلمة الإخلاص في ميزان العبد بحيث لا تقابلها السماوات والأرض على مُستَوى حديث قصة موسى الآن وعمارها من جميع خلق الله كما في حديث أبي سعيد المذكور في الترجمة، وفي حديث البطاقة التي فيها لا إله إلا الله التي وزنت تسعة وتسعين سجلًا من الذنوب، كل سجل يبلغ مد البصر، وذلك لكمال إخلاص قائلها. وكم ممن يقولها لا تبلغ هذا المبلغ؛ لأنه لم يكن في قلبه من التوحيد والإخلاص الكامل مثل ولا قريب مما قام بقلب هذا العبد”.
“ومن فضائل التوحيد: أن الله تكفَّل لأهله بالفتح والنصر في الدنيا والعز والشرف وحصول الهداية والتيسير لليسرى وإفراغ الأحوال والتسديد في الأقوال والأفعال”.
“ومنها: أن الله يدافع عن الموحدين أهل الإيمان شرور الدنيا والآخرة، ويمنُّ عليهم بالحياة الطيبة والطمأنينة إليه والطمأنينة بذكره. وشواهد هذه الجمل من الكتاب والسنة كثيرة معروفة، والله أعلم”.
انتهى كلامه رحمه الله. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.