الدرس 1 من شرح مختصر لكتاب التوحيد (عبر الهاتف 1433هـ) – الصغير بن عمار

​📝 الدرس الأول في التعليق على كتاب التوحيد

​الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

​أما بعد، نبدأ الدرس الأول في التعليق على كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي رحمه الله تعالى.

كتاب التوحيد كتاب يُعنى بتوحيد الألوهية بالجملة، والذي فيه في الآخر شيء من الأسماء والصفات، وفيه إشارة إلى الربوبية. فهو يُعنى خصوصًا بتوحيد العبادة وتوحيد الألوهية، لكنه أيضًا فيه شيء من الربوبية والأسماء والصفات.

أنواع دراسة العقيدة والصلة بين المصطلحات

​والعقيدة تُدرس على نوعين:

  1. النوع الأول: دراسة العقيدة العامة. وهي ما يتعلق بأركان الإيمان الستة وغيرها من المباحث. وفي هذا كتب مثل لمعة الاعتقاد، والعقيدة الواسطية، والعقيدة الطحاوية، وغيرها من كتب أهل السنة قديمًا وحديثًا.
  2. النوع الثاني: كتب الاعتقاد التي تُعنى بالإلهية أو بالألوهية أو بالعبادة (نفس الكلمة). ومن هذه الكتب تجد كتاب: ثلاثة الأصول، وكتاب: القواعد الأربع، وكتاب التوحيد، وكشف الشبهات، ونواقض الإسلام، وغيرها من كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.

​والعلاقة ما بين التوحيد والعقيدة والإيمان أمر مهم فهمه. معلوم أن الإيمان عند أهل السنة قول وعمل واعتقاد. إذن، العقيدة جزء من الإيمان؛ لأن الإيمان فيه القول والعمل والاعتقاد. الآن، العقيدة جزء من الإيمان، والتوحيد جزء من العقيدة؛ لأن التوحيد هو العقيدة في الله. فما يتعلق بالله من ربوبية ومن ألوهية ومن أسماء وصفات يُسمى توحيدًا. وهذا التوحيد إذا أضفت إليه الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر، صار عقيدة. وكل هذه العقيدة هي جزء من الإيمان المُتركِّب عند أهل السنة من قول وعمل واعتقاد. هذا من حيث الجملة.

منهجية طلب العلم في التوحيد

كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله من أنفس ما كُتب في هذا الباب. لكن لا ينبغي للطالب أن يبدأ بـ كتاب التوحيد أولًا، بل يبدأ بـ ثلاثة الأصول، وهو كتاب مُختصر في ورقات، يأخذه بشرح مُختصر يفهمه، ثم يرتقي إلى دراسة القواعد الأربع؛ وهذه القواعد أربع قواعد في التوحيد، يستفيد منها الإنسان، ثم بعد ذلك يرتقي إلى كتاب التوحيد.

​وكتاب التوحيد هو كتاب يُعتبر مُطوَّل، وفيه تقريبًا 65 أو 66 بابًا، على حسب (يعني بعضهم يعد الباب الأول بابًا وبعضهم يقول الأول فقط مقدمة). وهذا الكتاب طويل، والشيخ يضع عنوانًا يقول: “باب كذا”، ثم يذكر الآيات والأحاديث والآثار، ثم يذكر المسائل المُستنبطة من هذا الباب.

​الذي يقرأ كتاب التوحيد بدون شرح لا يفهم شيئًا، لكن ينبغي أنه يقرأ بشرح. ومَن بدأ من البداية بشرح طويل لن يستفيد من الكتاب، لكن مَن بدأ بشرح مُختصر يستفيد؛ لأن طالب العلم إذا أراد أن يرتقي وأن يتطور في علمه، ينبغي له أن يبدأ بـ صغار المسائل قبل كبارها.

​قال تعالى: ﴿وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. قال ابن عباس – وهذا في صحيح البخاري كتاب العلم -: “الرباني هو الذي يعلم الناس صغار المسائل قبل كبارها”.

​ولذلك يقول ابن الحارث الحلبي الشاعر:

​”اليومَ علمٌ وغدًا مِثلهُ من نُخَب العلم الذي تُلتقطُ

يحصل المرءُ بها حكمة وإنما السيلُ اجتماعُ النُّقَطِ”

 

​ولهذا قال ابن شهاب الزهري: “فالرامُ العلمَ جُملةً، ضاع عنه جُملةً”. إنما يُطلب العلم على مَرِّ الأيام والليالي، فاليوم علم وغدًا علم وغدًا العلم، حتى يرتقي طالب العلم.

​ومَن بدأ بـ صغار المسائل وصل إلى كبارها، ومَن بدأ بـ كبار المسائل ضيَّع كبارها وصغارها. وهذا النفس تُشبه رؤية المُجلَّدات الطويلة وتُشبه رؤية الكتب المُعقَّدة، وفي الحقيقة هذا يضر بنفسه. وعلى طالب العلم أن لا يضيع وقته في غير المهم؛ لأن مَن اشتغل بغير المهم أضرَّ بالمهم. وهذا قيل:

​”قَدِّمِ الأَهَمَّ فَإِنَّ لَيْلَكَ مُظْلِمُ وَالْعُمْرُ طَيْفٌ زَارَ أَوْ ضَيْفٌ أَدَمْ”

 

​فينبغي للإنسان أن يقدم مُهمَّات الأمور، ويشتغل بـ مُهمَّات الأمور. وأعظم أمر ينبغي الاشتغال به هو دراسة التوحيد الذي هو مفتاح الجنة. ومفتاح الجنة لا إله إلا الله. يقول ابن القيم في نونيته:

​”هذا وفتح الباب ليس بممكن إلا بمفتاح له أسنانُ”

 

​ومِن الشروح المُختصرة لهذا الكتاب: حاشية الشيخ ابن سعدي رحمه الله المُسماة القول السديد شرح كتاب التوحيد، فإنه ما تعرَّض لتفسير الأدلة التفصيلي، لكن كل باب يقول: “والمؤلف أراد بهذا الباب كذا”. وهذا المهم: أن تفهم مقصود الشيخ من ذلك الكتاب، وتفهم تقاسيم المسائل. ما معنى تقاسيم المسائل؟ مثلًا: أنواع الخوف تعرفها، أنواع الذبح تعرفها، النذر ما هو تعرفه، الحب، التوكل، الصبر، الرجاء، الخوف، وغير ذلك.

​فينبغي لك في أول الأمر أن تقرأ الكتاب على وجه الاختصار وتقرأ شرحًا على وجه الاختصار، ثم ترتقي في الشروح حتى تصل إلى الشروح الكبيرة كـ فتح المجيد، وتيسير العزيز الحميد لسليمان بن عبد الله رحمه الله تعالى. ولهذا أنصحكم بالعناية بشرح القول السديد للشيخ ابن سعدي، ثم إذا أنهيت هذا الشرح تقرأ بعده شرحًا أطول، كشرح الشيخ أو كغيره من الشروح.

كتاب التوحيد وبدايته

​إذن المصنف رحمه الله تعالى بدأ كتابه فقال: “بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب التوحيد”.

​قوله: “بسم الله الرحمن الرحيم”؛ إنه هنا بدأ بـ البسملة. وهذا كسنة كتاب الله جل وعلا، ليبدأ بـ بسم الله الرحمن الرحيم، أي: باسم الله أكتب، وبالله أستعين في كتابة هذا الكتاب.

​ولكن مَن تأمل يجد أن المصنف لم يضع مقدمة لهذا الكتاب. وكان في بعض نُسَخ الكتاب وُجدت مقدمة، لكن المُشتهر والمعروف أن الشيخ لم يجعل لهذا الكتاب مقدمة. فقال بعضهم: الشيخ ألغى المقدمة جريًا على صنيع البخاري. لأن البخاري رحمه الله ما جعل لـ صحيحه (جامع الصحيح) مقدمة. وهذا الكتاب، كتاب التوحيد، هو كالـمُكمِّل لـ صحيح البخاري. وقد أتى في صحيح البخاري كتاب التوحيد. فالشيخ وكأنه واصل ما ابدأه البخاري لكتاب التوحيد.

​طريقة البخاري كطريقة الإمام أحمد وغيره: يذكر الترجمة ثم يذكر الآية والحديث أو الأثر. هذا هو. فلا فرق من حيث هذا الكتاب، إنما يجمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

​فقالوا: فلا ينبغي أن يُقدَّم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيء. فبدأ الكتاب: “إنما الأعمال بالنيات، حدثنا حميدي حدثنا، حدثنا حتى وقف عند عبد الله عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات”. فقالوا: وكأن البخاري ما أراد أن يقدم بين يدي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرًا آخر، فساق مباشرة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. كذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بدأ الكتاب مباشرة بلا مقدمة، وكأنه أراد أن يقول: إن هذا الكتاب إنما هو فيه من أجله أمر عظيم وبيان أمر هو أعظم شيء على وجه الأرض، ومِن أجله خُلقت الدنيا وهو التوحيد، فلا ينبغي أن يُقدَّم بين هذا الأمر العظيم مقدمة.

​وهذا لا شك من توفيق الله جل وعلا لهذا العالم الذي أُشرب قلبه التوحيد، وظهر هذا في مُصنَّفاته وفي مُؤلفاته وفي سَيرِ حياته، حتى عاش من أجل التوحيد ومات في سبيل التوحيد. والعالم وإن مات جسده وانفصلت روحه عن بدنه، لكن يبقى ذكره في الأرض. ولهذا قال من قال من السلف وهو أبو بكر بن عياش: “أهل السنة رفعوا راية الحديث وأعظموا آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وعظموها، فكان لهم نصيب من قول الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾”. وأما أهل البدع فخالفوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عظموا السنة حق تعظيمها، فكان لهم حظ من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. ولهذا كان يقول الإمام أحمد: “بيننا وبينكم الجنائز”. ولهذا يظهر فضل أهل السنة ولو بعد موتهم، أما أهل البدعة فكلما تقدم الزمن كلما ظهر عوارهم؛ لأن الموحد السُّني إنما استقام ظاهرًا وباطنًا، أما المبتدِع فإنما شَوَّه ظاهرًا وباطنًا.

أقسام التوحيد

​الحاصل أن المؤلف قال: “كتاب التوحيد”. والتوحيد أنواع كما هو معلوم عندكم: منه توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.

​وبعض أهل العلم يقول: التوحيد نوعان: توحيد معرفة وإثبات، وتوحيد قصد وطلب.

​يأتي إنسان يقول: “ليش أنتم – وأنتم واحد – تقسمون التوحيد إلى قسمين، والآخر يقسمه إلى ثلاثة أقسام؟”. يُقال:

  1. ​مَن قسَّم إلى ثلاثة أقسام نظر إلى جهة المعبود وهو الله. فنظر إلى حقوق الله جل وعلا من استقرأها في الكتاب والسنة؛ لأن حقوق الله ثلاثة:
    • ​حق له في الربوبية، وأن يُفرَد بالخلق والرزق والتدبير.
    • ​وحق له في العبادة، وأن لا يُعبد إلا هو.
    • ​وحق له في الأسماء الحسنى وصفات العُلى، فهي له جل وعلا.
  2. ​ومَن نظر إلى جهة العابد يجد أن العابد له نحو التوحيد نوعان:
    • ​إما معرفة أو إثبات، وهذا يدخل فيه الربوبية والأسماء والصفات.
    • ​وإما قصد وعمل، وهو توحيد العبادة.

​وبعض أهل العلم يقول أن التوحيد نوعان: توحيد علمي وتوحيد عملي. ومعلوم أن العملي هو العبادة، والعلمي هو الربوبية والأسماء والصفات. وكل هذه تقسيمات لشيء واحد.

​وهذا التقسيم للتوحيد تقسيم استقرائي، لا يقول أحد: اصطلاحي؛ لأن العلماء اجتمعوا وقالوا: “يَلاَّ اتفقنا، التوحيد نجعله ثلاثة”، يأتي واحد غريب الخامسة، لا. هذا من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم. مَن استقرأ الكتاب والسنة وجد أن التوحيد لا يخرج عن هذه الأنواع الثلاثة: ربوبية وإلهية وأسماء وصفات.

​فإن قال أحد: “هذا أتى به ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب، ولم يكن على عهد أحد من السلف”. يُقال: هذا أنت تقول هذا وأنت جاهل. أما مَن علم الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، يعلم أن هذا التوحيد موجود عند المتقدمين، كما هو موجود في كلام الطحاوي في عقيدته، موجود في كلام ابن أبي زيد القيرواني (مالك الصغير) في مقدمته على الرسالة، موجود في كلام ابن عبد البر المالكي، موجود في كلمة بمنزلة كتابه التوحيد، موجود عند ابن جرير الطبري المفسر، وموجود عند جماعة من المتقدمين صرحوا بأن التوحيد إنما يكون على ثلاثة أنواع. وجاء هذا حتى عن أبي حنيفة، الكتاب المنسوب له وهو كتاب الفقه الأكبر الذي شرحه مُلا علي القاري. إذن، التوحيد موجود عند المتقدمين.

​ومَن أراد أن ينظر إلى مَن قسَّم التوحيد من عهد السلف، فليقرأ رسالة الدكتور الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر، فهو له رسالة عظيمة اسمها القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد، بيَّن فيها الدلائل الواضحات على أن التوحيد إنما تقسيمه ظاهر بيِّن في الكتاب والسنة. وأبطل (لا يخفى عليكم) مَن قراءة الفاتحة يجد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. الحمد لله يعني: الحمد يُفرَد لله، فهذا توحيد الألوهية. ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذا ربوبية. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هذا أسماء وصفات. ومَن يقول هذا لا يمكن هذا إلا مكابِر.

​فلو جاءنا أيضًا إسلام يقول: “أنتم كل يوم تتكلمون التوحيد التوحيد التوحيد، وهذا لفظ التوحيد” يقول: “غير موجود أصلًا لا في الكتاب ولا في السنة”. يُقال: هذا أيضًا إنما هو من جَهلك بالكتاب والسنة. بوَّب البخاري في كتابه: كتاب التوحيد. والنبي صلى الله عليه وآله لما أرسل معاذًا إلى اليمن، جاء في رواية قال: “فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ”. وجاء في حديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم لما في حجة الوداع النبي صلى الله عليه وسلم قال: “فَلَمَّا رَقَى دَابَّتَهُ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ”. فلفظ التوحيد معلوم. تفتح صحيح البخاري، تجد الصحابة كانوا يُصرحون به. أما الجاهل فهو الذي يُنكر هذه الأمور.

الشاهد من الآيات والأحاديث

​ثم قال: “كتاب التوحيد، وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾”.

​لو يقول قائل: هنا الشيخ لم يذكر معنى الباب، قال: “كتاب التوحيد وقول الله”. ما هو عنوان هذا الباب؟

​عنوان هذا الباب أنه ظاهر من الدلائل التي ذكرها الشيخ رحمه تعالى هو: “باب وجوب التوحيد على الأعيان”. أراد الشيخ ليُبيِّن بهذه الأدلة أن التوحيد ليس أمرًا يعني “مُخيَّرًا دون غيره”. ويعني هذا دون عذاب، التوحيد مُطالب به الكل: الإنس والجن، الكل. ولن يدخل أحد من الجنة إلا بالتوحيد، لا في عهد الأنبياء المتقدمين ولا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مَن جاء بعده. فأراد الشيخ أن يُبيِّن أن لا يقول إنسان: “التوحيد أن يعنيني إننا نحن كـالكُفار، أما مَن شهد بأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمن بالله، فينبغي له أن ينقاد وراء التوحيد”.

​وسيذكر الشيخ الأدلة، ومن الأدلة الأول الذي ذكره قال: ﴿وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.

​هنا هذه الآية فيها بيان الغاية التي من أجلها خُلق الجن والإنس، وهي التوحيد. والله جل وعلا ما كان له ليخلق الخلق ويتركهم سُدًى وعَبثًا، ولهذا مَن ظن هذا فإنما ظن بالله ظن السوء. والله تعالى قال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾. يعني: تعالى الله عن هذا الظن الباطل الذي ظنَّه به الجاهليون. بل الله جل وعلا خلق الخلق لأمر عظيم. قال في ثلاثة الأصول: “اعلم إذا”، هذا بيان أن الله خلقك للعبادة. ولهذا قال ابن عباس: قال معناها: “ليُوَحِّدُونِ”.

​وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. هذه الآية تُبيِّن أن دعوة الرسل واحدة، وهي عبادة الله وحده، والكفر بكل ما يُعبد من دون الله. ولهذا الله تعالى قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. فغاية الرسل دين إفراد الله تعالى بالعبادة. النبي صلى الله عليه وسلم قال: “نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، دِينُنَا وَاحِدٌ وَشَرَائِعُنَا شَتَّى”. فالشرائع تختلف، أما أصل الدين فهو واحد.

​ثم الآية التي بعدها: قول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. قضى يعني: أَمَرَ وَأَوْجَبَ. ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. فهذه الآية أيضًا تُبيِّن أن التوحيد لا بد منه، وأنه فرض على الأعيان، والكل مخاطب به.

​ثم ذكر قول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. فهنا أُمرت بالعبادة ونُهيت عن الشرك. فمَن وحَّد الله جل وعلا، لا يمكن له أن يوحِّد الله إلا بأمرين: أن يُثبت العبادة لله وأن ينفيها عما سواه. وستأتي معنا إن شاء الله تعالى لتفسير كلمة التوحيد.

​وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ للآية من سورة الأنعام. قال ابن مسعود رضي الله عنه: “مَن أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتَمُهُ، فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ الآية من سورة الأنعام، التي تُسمى آية الوصايا العشر. وأول وصية أوصى بها قال: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أول شيء: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. فهنا قال ابن مسعود: “مَن أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه، فليقرأ هذه الآية”. ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك في هذه الأمة إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فابن مسعود قال: “مَن أراد أن يقرأ وصية النبي صلى الله عليه وسلم، فليقرأ هذه الآية”؛ لأن هذه الآية هي جامعة لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من أمور الإيمان. فأراد ابن مسعود أن يُبيِّن: مَن أراد دين محمد صلى الله عليه وسلم، هذا هذه الآية تبيِّن دين رسول الله صلى الله عليه وسلم لماذا أتى. لكن هذا من حيث الجملة، أما سبيل التفصيل فسيأتي.

​ثم نقرأ حديث معاذ في الصحيحين قال: “كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ”. وهذا فيه تنبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم من تواضعه عليه الصلاة والسلام كان يركب ويُردف أصحابه وراءه في الدابة. وقد عد ابن منده ثلاثين رجلًا قد أردفهم النبي صلى الله عليه وسلم على دابته، وهذا من تواضعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال لي: “يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟”. وهذا في صيغة التعليم بـ صيغة السؤال والجواب، كما جاء في حديث جبريل وغيره وغيره؛ لأن الإنسان لُسئل ويَهتم ويشد هذا انتباهه، وبذلك يكون مُنتبهًا للجواب.

​فقال معاذ رضي الله عنه: “قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ”. وقوله: “اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ” هذا لا يُقال بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، إنما يُقال في حياته؛ لأن لما قاله معاذ كان يُصدِّق، أما بعد موته عليه الصلاة والسلام فنقول: الله أعلم. قال: “حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا”. يعني كما مرَّ معنا – ندعي نكتفي بالعبادة – بل ينبغي لك أن تعبد ولا تشرك بالله جل وعلا شيئًا. قال: والثاني قال: “وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا”. يعني حق الله علينا هذا، فإذا فعلنا هذا فحقنا على الله هو أننا إذا عبدناه حق العبادة، ولم نشرك به شيئًا، فإننا نكون في الجنة ولا يعذبه الله جل وعلا. فإن قال قائل: هل للعبد أن يكون له على الله حق؟ الجواب: نعم. لكن هذا حق حَقَّهُ الله على نفسه. والله جل وعلا كامل في أسمائه وصفاته، يُحقِّق على نفسه ما يُريد ويُوجِب على نفسه ما يُريد ويُحرِّم على نفسه ما يُريد. كما في حديث مسلم معروف: “يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا”. فهنا حرَّم الله جل وعلا على نفسه الظلم. وكذلك أوجب على نفسه، مِنَّةً منه وفضلًا وتكرُّمًا، أن لا يُعذِّب مَن وحَّده حق التوحيد.

​فقال معاذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: “لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا”” أخرجاه في الصحيحين. فمعاذ أراد أن يُبشِّر الناس، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: “لَا فَيَتَّكِلُوا”. ربما بعض الناس يتكل يظن أن بمجرد هذا الأمر لا يدخل أنه لا يُعذَّب. ولكن من المعلوم أن التوحيد ينبغي له من مكمِّلات، وهذا سيأتي معنا في الأبواب القادمة. وهذا جاء في بعض الروايات قيل: إن معاذ حدَّث به قبل أن يموت رضي الله عنه خوفًا من كتمان العلم.

​إذن، هذا الباب الأول ظاهر الدلالة في أن التوحيد واجب على الكل، وأن كمال التوحيد ينبغي لك أن لا تشرك بالله جل وعلا شيئًا. فعبادة الله مطلوبة، لكن ينبغي الكفر بالطاغوت. نعم.

فضل التوحيد وتكفير الذنوب

​نكمل الباب الذي بعدها. نمر للباب الذي بعده ثم نتوقف. ما نقرأ المسائل الآن. نعم، يعني لا نقرأ المسائل. لا نقرأ المسائل الآن حتى لا نُطيل. وقلت لكم البداية ينبغي قراءة الكتاب جملة، فهموا مقصود الترجمة جملة، ووقوف مع الأدلة بشيء من الاختصار حتى يُفهم الكتاب، ثم في درجة أخرى يكون الاهتمام بالمسائل وهي مسائل عظيمة.

​ثم الباب الذي بعده قال:

باب فضل التوحيد وما يُكفِّر من الذنوب

وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾.

​هذه الآية، لأن المؤلف بعدها ذكر وجوب التوحيد على الأعيان، قال: “باب فضل التوحيد وما يُكفِّر من الذنوب”. يعني: الآن اهتمت النفس، يعني بعد أن علمت أن هذا التوحيد واجب، قد تتوق نفسك وتتشوق لمعرفة فضل هذا التوحيد الذي أوجبه الله علينا. فقال: “باب فضل التوحيد وما يُكفِّر من الذنوب”.

​وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾. بقية الآية: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾.

​لما نزلت هذه الآية، كما سُفِعِل الحين، شقَّ ذلك على صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقالوا: “يا رسول الله، وأينا لم يظلم نفسه؟”. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لَيْسَ الظُّلْمُ الَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ، إِنَّمَا الظُّلْمُ هُنَا الشِّرْكُ. هَلْ أَنْتَ سَمِعْتَ قَوْلَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ؟ – وفي رواية لُقْمَان -: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾”.

​فقوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والمؤمنون يوم القيامة آمنون، وهم في صعيد يومئذ آمنون، أما الكفار فإنه كما قال جل وعلا: ﴿تَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ ذِلَّةٌ﴾. والكفار الذين شقوا في الدنيا في عناء، وفي الآخرة في خوف وعذاب وحزن. وأما المؤمن آمن في الدنيا وآمن في الآخرة. كيف يتحقق هذا الأمن؟ بالتوحيد.

​قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ أي: بشرك. ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾.

​وعلى قدر تكميل التوحيد يكون كمال الأمن. فلو قال إنسان: “إذاً على حد هذه الآية، مَن مات ولم يشرك بالله، ولو كان زانيًا ولو كان شارب خمر وعاقًّا للوالدين وقاطعًا للرحم ومرابيًا، لا يُعذَّب؟” الجواب: لا. الكلام هنا أنه يضمن أن لا يُخلَّد في النار؛ لأن مَن كان مُواليًا لأصل التوحيد لن يُخلَّد في النار يقينًا. لكن بعد ذلك هذا التوحيد له مُكمِّلاته من الانقياد لله جل وعلا بالطاعة ومن ترك المعصية. فإذا كمل توحيده بتمام الانقياد لله جل وعلا بـ فعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور، فإن هذا يكون مآله الجنة. بل لو حقق التوحيد غاية التحقيق يدخل الجنة بغير حساب ولا سابق عذاب، كما سيأتي معنا في الباب المُقبل إن شاء الله تعالى.

​ثم ذكر عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ” أخرجاه.

​إذن، هنا حديث عبادة بن الصامت يُبيِّن أن مَن شَهِدَ أن لا إله إلا الله، شهد أي: أَقَرَّ واعترف بأنه لا معبود بحق إلا الله وحده لا شريك له. وأن محمدًا عبده ورسوله، فرسول الله صلى الله عليه وسلم عَبْدٌ لا يُعبَد، ورسول لا يُكذَّب. وأن عيسى عبد لا يُعبَد، ورسول لا يُكذَّب، وليس ابنًا لله، تعالى الله عن ذلك. و “وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ”، وكلمته التي ألقاها إلى مريم هي قوله جل وعلا: كُنْ. فكان عيسى عليه السلام بـ كُنْ. والله جل وعلا قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.

​ثم قال: “وَرُوحٌ مِنْهُ”. روح منه أي: ابتداء؛ لأن “مِنْ” تكون للتبعيض كما تكون للابتداء، فَمِنْهُ أي: روح خلقها الله جل وعلا عن طريق جبريل، وجبريل نفخها في جيب (يعني ما بين فخذ مريم عليها السلام)، فكان عيسى في رحمها عليه الصلاة والسلام.

​قال: “وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ” أخرجاه.

​الشاهد هنا من نَسْبَة هذا الدليل وهذا الحديث لكتاب هذا الباب، وهو باب فضل التوحيد، ظاهرة بأن مَن شهد شهادة التوحيد وأقر هذا الإقرار واعترف به، فإن الله جل وعلا يُدخله الجنة على ما كان من العمل. ويُقرِّر ما قيل: إن تمَّ مع ذلك التوحيد في الأمر وترك الناهي، دخل الجنة بغير عذاب. فإذا اقترن بذلك كبائر ومات ولم يَتُبْ منها، فإنه يدخل مع ذلك عذاب جهنم، ويدخل نار الموحدين، ولكنه يخرج منها؛ لأنه ما هدم أصل التوحيد.

​ثم قال: “وَلَهُمَا” أي: البخاري ومسلم، “عَنْ عِتْبَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ”.

حَرَّمَ: إذا كان اقترن بالتوحيد كمال الفعل والطاعة والاستقامة، حَرَّمَه تحريم دخول النار دخولًا أصليًا، فلا يدخلها أبدًا. لكن إن اقترن بذلك كبائر لم يَتُبْ منها، فإن التحريم هنا تحريم الخلود في النار، فإنه يدخلها ويُعذَّب فيها على حسب ما عنده.

​قال ابن سعدي في القول السديد قال: “وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ لَهُ مِنَ الْآثَارِ الْحَسَنَةِ وَالْفَضَائِلِ الْمُتَنَوِّعَةِ مِثْلَ التَّوْحِيدِ، فَإِنَّ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ ثَمَرَاتِ هَذَا التَّوْحِيدِ وَفَضَائِلِهِ، فَلَا خَيْرَ إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ وَلَا شَرَّ إِلَّا مِنْ جَرَّاءِ الشِّرْكِ” انتهى كلامه.

​وقال: “وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ. قَالَ: قُلْ يَا مُوسَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. قَالَ: كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا. قَالَ: يَا مُوسَى، لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ” رواه ابن حبان والحاكم وصححاه.

​الشاهد من هذا الحديث أن “لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ” تَزِنُ السماوات السبع وما فيها. فلا إله إلا الله تَهْدِمُها. وهذا نظير حديث البطاقة، ذلك الرجل الذي وُضعت بطاقة كُتب فيها لا إله إلا الله فَوَزَنَتْ تلك السجلات العظيمة من الخطايا. ولهذا ما اتبع ابن حجر سلفه ويقول: “وَأَعْظَمُ حَسَنَةٍ التَّوْحِيدُ، وَأَعْظَمُ سَيِّئَةٍ الشِّرْكُ” انتهى كلامهم.

​فلا يَلِيقُ بالعبد أن يُقصِّر في دراسة التوحيد ومعرفته ويتعلمه ونعمل به وتعليمه وبذله للناس؛ لأنك إن علَّمت الناس التوحيد فإنك تُعلِّمهم أعظم شيء، وإن حذَّرتهم من الشرك فإنما تُحذِّرهم من أعظم شيء. وهذا لا يناله إلا مَن كان تابعًا للأنبياء والمرسلين. ومَن وُفِّق لهذا فليفرح بفضل الله عليه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾.

​و “وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَنَسٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً”.

​فإن مَن جاء يوم القيامة ومعه التوحيد، فإنه أتى بأعظم حسنة. فلو لقي الله جل وعلا بما يُقارِب الأرض من الخطايا، ولكنه لقي الله جل وعلا ومعه هذا التوحيد العظيم، لجاءه الله جل وعلا بتلك المغفرة. ولهذا ما لم يشرك العبد بالله فإن ذنوبه تحت المشيئة ولو كانت كبائر. قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. ومَن يشرك بالله في الآية الأولى: ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾. وفي الآية التي بعدها من النساء: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.

﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا * لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾. فالشيطان توعَّد بأن يُغوي بني آدم، وأعظم أمر يُغوي به الناس هو الشرك؛ لأن المشرك شركًا أكبر باقٍ مع الشيطان خالدًا في النار، أما الموحد فإنه مهما أوبقته خطيئاته وأهلكته سيئاته، فإن له موحدًا يخرج به من النار إلى جنة عرضها السماوات والأرض، أعدت للمتقين.

​نكتفي بهذا القدر، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *