بسم الله الرحمن الرحيم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
إذاً، في الدرس الماضي مرَّ معنا الباب الأول والباب الثاني، واليوم ندخل في الباب الثالث، وبعضهم يقول الباب الثاني؛ لأن الأول يُعتبر بابًا.
باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب
حديثنا الماضي مرَّ معنا باب فضل التوحيد وما يُكفِّر من الذنوب. فهو الباب يُتبع لجزاء الذي قبله ولكنه أخص. فبعد أن بيَّن فضل التوحيد جُملة، بيَّن أن من حقق التوحيد حق التحقيق، فإنه يدخل الجنة بغير حساب.
وتحقيق التوحيد هو تصفِيَتُه. فإن التوحيد، كما يقول ابن القيم في الفوائد، لطيف جداً وأقل شيء يخدشه ويؤثر فيه. وتصفية التوحيد تكون من ثلاثة أمور، من نجا منها فإنه يدخل الجنة بغير حساب ولا سابق عذاب، وكَمَّل التوحيد حق التكميل.
هذه الأمور الثلاثة هي:
- الشرك: فالشرك يؤثر في التوحيد، فإن كان شركًا أكبر كان ناقضًا عن مِلة الإسلام وأذهب أصل التوحيد. وإذا كان شركًا أصغر أذهب كمال التوحيد الواجب، ولكنه لا يُكفِّر صاحبه به.
- البدع: الأمر الثاني الذي يخدش التوحيد هو البدع (المقصود السلامة من البدع المُخرِجة من الكفرية)، فالبدع هذه تُنافي كمال التوحيد الواجب.
- المعاصي: الأمر الثالث الذي يؤثر في التوحيد هو المعاصي.
فتحقيق التوحيد هو تصفِيَتُه من: الشرك أكبره وأصغره، ومن البدع القولية والاعتقادية، ومن المعاصي. فإذا سَلِمَ العبد من هذه الأمور فإنه قد حقق التوحيد كما يحب ربنا ويرضى.
فقول المؤلف هذا: “مَنْ حَقَّقَ التَّوْحِيدَ”، هذا هو التحقيق: أن تسلم من هذه الأمور. فإن سلِمت منها سلِمت نجاة عظيمة وإن لها أن لا تُقال لك: “ناجٍ”.
الأدلة على تحقيق التوحيد
ثم قال رحمه الله تعالى:
قول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
هذه الآية ظاهرة في المناسبة لترجمة الباب؛ ذلك بأن إبراهيم وَصَفَهُ الله بأنه أُمَّة يعني: إمامًا. قَانِتًا أي: مُطيعًا لله، ما للناس وما للبشر. حَنِيفًا، والحنيف هو المائل عن غير الله، المُقبِل على الله، وإن شئت فقل: هو المائل عن الشرك، المُقبِل على التوحيد. لكن كلمة حنيف هي الأهم: هي الميل عن ما سِوى الله والإقبال على الله جل وعلا. وإمام الحنفاء إبراهيم، والنبي صلى الله عليه وسلم أيضًا إمام الحنفاء.
قال: ﴿قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. فلم يكن من المشركين لا قلبًا ولا قالبًا، بل كان مُبغِضًا للشرك، مُبغِضًا لأهله. والله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا مَوْعِدَةً وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾. فإبراهيم عليه السلام تبرأ من والده الذي هو مُشرك. فإبراهيم عليه السلام أُمَّة وإمام في التوحيد، لماذا؟ لأنه حقق التوحيد غاية التحقيق. ولهذا كانت الآية مناسبة لمقصود الترجمة.
ثم قال بعدها رحمه الله:
وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾.
هذه الآية في سورة المؤمنون في سياق الثناء على المؤمنين الكُمَّل لإيمانهم. قال: ﴿وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾. فمن أعظم صفاتهم بُعدهم عن الشرك. ويُوجد في آخر هذه الآيات قال: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. فقوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾، فمن سارع في الدنيا إلى الخيرات سارع في الآخرة إلى الجنات. ولهذا يقول ابن سعدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ من البقرة قال: “فَمَنِ اسْتَبَقَ فِي الدُّنْيَا إِلَى الْخَيْرَاتِ، سَبَقَ فِي الْآخِرَةِ إِلَى الْجَنَّاتِ” انتهى كلامه.
ولهذا يوم القيامة الناس طرائق، فمنهم من يمر على الصراط كالبرق، ومنهم من يمر كطرف العين، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، ومنهم كَرِجْلٍ، ومنهم ومنهم… فاختلاف الناس في سرعة السير هو بقدْر اختلافهم في التسارع إلى الخير. ولهذا لما كمَّل الأنبياء مراتب الإيمان غاية التكميل، قال جل وعلا بعد أن ذكرهم في سورة الأنبياء قال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. ويأتي موسى عليه السلام قال: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾.
قال: ﴿وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾. فمن أعظم صفات المؤمنين الكُمَّل أنهم لا يشركون وأنهم يُحققون التوحيد كما يحب ربنا ويرضى.
حديث السبعين ألفًا
ثم ذكر حديث سعيد بن عبد الرحمن الطويل، وهو في الصحيحين، وهو حديث عظيم. قال: “كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ الْبَارِحَةَ؟”. يعني: انقض كوكب في السماء. فقال: “أَنَا”. ثم استدرك فقال: “أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ وَلَكِنِّي لُدِغْتُ”.
انظروا إلى ما كان عليه الإخلاص عند السلف رضي الله عنهم. فإنه لما خاف أن يظن الناس أنه كان قائمًا للبيت ماذا فعل؟ استدرك وقال: “غير أني” أو “أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ وَلَكِنِّي لُدِغْتُ”. والإنسان منا إذا تحدث عن نفسه ربما إذا صام يومًا يُوهِمُ الناس جميعًا ويُخبرهم أنه صائم مُتعب، لما يجد من أثر تلك العبادة حتى يعلم الناس به. ولهذا إذا رأيت هذا تأملت الفرقان بين ما كانوا عليه من كثرة العمل مع قلة الكلام عنها، وتأملت حالنا من قلة العمل مع كثرة التحدث به.
ثم قال: “وَلَكِنِّي لُدِغْتُ”. قال: “فَمَا صَنَعْتَ؟”. قال: “قُلْتُ: ارْتَقَيْتُ” أي: طَلَبْتُ الرقية. قال: “فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟”. قلت: “حَدِيثٌ حَدَّثَنِيهِ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ”. قال: “وَمَا حَدَّثَكُمْ؟”. قلت: “حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ أَنَّهُ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ”. قال: “قَدْ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ”.
إذاً، هنا ذكر أنه ارتقى، أي: طلب الرقية. فلما قال له: “وَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟” ذكر أنه لم يفعل هذا الأمر من رأيه، وإنما فعله للحديث الذي رواه عن الشعبي رحمه الله. ثم ذكر هذا الحديث. فقال له: “لَقَدْ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا كَانَ”. يعني: لا تتعجَّب بما تلقَّاه من العلم. وهذا حال السلف، كانوا لا يتصرفون ولا يتكلمون ولا يعملون إلا بالاستناد إلى الكتاب والسنة. ولهذا قال من قال منهم: “إن استطعت فلا تخطُ بقدمك إلا بأثر واتِّباع”.
ثم قال: “ثُمَّ قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ. فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ”.
يعني: انظر النبي وعلى ما عنده من آيات الله. إيمانه على ما فتح الله به من الآيات والخوارق يأتيه يوم القيامة وليس معه أحد. ربما يأتيه معه رجل أو رجلان. ولذلك لا تغتر بكثرة الهالكين، إنما انظر إلى الناجين. ولهذا قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: “عليك بسبل الهدى ولا تستوحش لقلة السالكين، وإياك وطُرُق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين”. لأن أغلب الناس هلكى. قال جل وعلا: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. ومَن كان على غير السبيل والسنة فهو الغالب، وإن تبعه من تبعه. ولهذا قال ابن مسعود: “الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك”.
قال: “إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ”. يوم القيامة موسى معه أمة عظيمة لكثرة أتباعه عليه السلام. غير أن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم أكثر.
قال: “فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ”.
إذاً، هذا الشاهد من الحديث: أن هناك لهذه الأمة سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا سابق عذاب. وجاءت رواية خارج الصحيحين: “مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا”، مع كل ألف آخرين سبعون ألفًا.
قال: “ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ” عليه الصلاة والسلام. فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ. مَن هم هؤلاء الذين نالوا هذا الحظ العظيم؟ فقال بعضهم: فلعلهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: فلعلهم الذين وُلدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئًا. وذكروا أشياء، يعني كل واحد قال: “هم أولئك” أو “هم على تلك الخصيصة” أو “على ذلك الوصف”.
فقال عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه. فقال، يعني: أخبرهم مَن هم هؤلاء السبعون ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا سابق عذاب. قال: “هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ”.
- قال: “هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ” يعني: لا يطلبون مَن يرقيهم. جاء في رواية مسلم: “لا يَرْقُونَ” ولكنها غير صحيحة، لكن الصحيحة: “لَا يَسْتَرْقُونَ” أي: لا يطلبون من الناس الرقية، وإنما يرقون أنفسهم بأنفسهم.
- “وَلَا يَتَطَيَّرُونَ”: وطِيَرَة وسيأتي معناها في بابه.
- “وَلَا يَكْتَوُونَ”: أي: لا يطلبون أن يَكْوِيَهم أحد. والكَيُّ جائز لكنه آخر دواء، يعني: لا ينبغي أن يجعل الكَيَّ استعجالًا. ولهذا هو آخر دواء الكي. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: “الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةِ نَارٍ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَكْتَوِيَ”. فجائز لمن تركه أولى.
- قال: “وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ”. وهذا في الآخر هو الأصل في الخصال الثلاثة، أنهم بكمال توكُّلهم استغنوا عن الناس. ولهذا كانت الصحابة ربما السوط يسقط من أحدهم فما يطلب من الرجل أن يُناوله إياه، لماذا؟ لكمال توكلهم على ربهم جل وعلا.
فقام عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ رضي الله عنه – وكان رجلًا جميلًا مِن خيرة الصحابة – فقال: “ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ”. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَنْتَ مِنْهُمْ”. يعني: أنت من هؤلاء السبعين ألفًا. فلله دَرُّ عُكَّاشَةَ رضي الله عنه، لأنه من أهل الجنة، وعندهم يدخل الجنة بهذه الخصال بغير حساب ولا سابق عذاب.
فقام رجل آخر فقال: “ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ”. فقال: “سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ”. النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لهذا الرجل: “لا أنت لست منهم”. هذا قد حَزَّ في العلم، هذا حَزَّ الرجل كان من المُنافقين. ويُقال: إنه لا يلزم، بل قد يكون هذا الرجل من المؤمنين الكُمَّل، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يَسُدَّ الباب؛ لأنه يخشى أنه كل ما سأله واحد يقول له: “أنت منهم”، يخشى أن يقولها غَلَطًا وادِّعاءً.
وهذا أحسن ما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ونقل، وعندما ينقل في جواب الكافر قال: “هذا حديث سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ” نظير قصة عمر رضي الله عنه مع حُذَيْفَةَ، يعني: لما حذيفة تحمل أسماء المنافقين، فجاء عمر وكان يبكي ويطلب من حذيفة: هل هو في مدخَل؟ لفرط خوفه من الله. وإلا هو إمام الموحدين بعد علي رضي الله عنه شَمْعَةٌ مات من خوفه من الله وللومه لنفسه رضي الله عنهم. كان يطلب من حذيفة ذلك الأمر. فقال له حذيفة: “لا، لست منهم”. ثم قال: “ولا أُزَكِّي بَعْدَكَ أَحَدًا”. أي: أُخْبِرُكَ أنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ لِلْحُصُولِ لَكِنْ لا أَسْتَحْلِفُ أَنْ جَاءَتْ حَتَّى لا أُصْدِرُهُ لِغَيْرِهِ. وهذا ما بيَّنه قول النبي صلى الله عليه وسلم هنا: “سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ”. وهو تعريض بالقول لطيف كي لا يزرع العذر، وفي نفس الوقت يصل إلى المُراد وهو: أن لا يفتح هذا الباب فيدخل فيه مَن ليس أهلًا له.
إذاً، خلاصة هذا الباب أن التوحيد إذا سَلِمَ من الشرك أكبره وأصغره، سَلِمَ من البدع القولية والفعلية، وسَلِمَ من المعاصي، فإن صاحبه من الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا سابق عذاب. وكلمة “يسلم من المعاصي”؛ المعاصي لن ينجو منها أحد إطلاقًا غير الأنبياء والمعصومين. لكن المقصود هنا هو أن تسلم من المعاصي جملة، بل السلامة من الإصرار على المعاصي والسلامة بـ التوبة من المعاصي. وإلا لكل ابن آدم حظُّه من الذنوب. ولهذا في سفر حسن الحديث (حديث قُدسي) قال: “يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُذْنِبُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ”. وهذا يُخبر بالذنوب. ولذلك غفران الذنوب أمر يحبه الله جل وعلا، ولو لم يكن الناس يذنبون لأتى الله بقوم يذنبون فيتوبون فيغفر الله لهم. لكن الشأن ليس أن تذنب، لكن الشأن أن لا تُوافِيَ ربَّكَ بالذنوب. فإن كل ابن آدم خطَّاء وخير الخطَّائين التوابون.
لهذا نفهم قدر التوحيد وما ينبغي من العناية به. ولما علمنا قدر التوحيد ينبغي لنا أن نعلم قدر الشر الذي يكدُر هذا التوحيد وهو الشرك.
ولهذا أتبع المصنف رحمه الله تعالى ذلك الباب بـ الباب الذي بعده. وهو قال بعده:
باب الخوف من الشرك
وإن شئت سميت هذا الباب: “باب وجوب الخوف من الشرك”.
وقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾.
الشرك هو جعل حق الله لغيره. الشرك: جعل حق الله جل وعلا لغيره. ويُعبِّر عنه بعض أهل العلم بقولهم: “الشرك تسوية غير الله بالله في شيء من حقوق الله”. وهذا مفهوم من قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. وكقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾. وهذا يأتي معنا في بابه إن شاء الله تعالى.
إذاً، الشرك: جعل حق الإله لغيره. فإن كان أكبر كان جَعلًا لحق الإله لغيره على وجه يخرج به صاحبه من الملة، وهو تَنْدِيدٌ أكبر. وإذا كان شركًا أصغر يكون شركًا، يكون جَعلًا لحق الإله لغيره على وجه ما يخرج به صاحبه من الملة، ويقول: تَنْدِيدٌ أصغر.
قال في الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. فكل الذنوب تحت المشيئة غير أن الشرك لا يغفره الله جل وعلا. يقول ابن مشرف الأحسائي في منظومته لمقدمة ابن أبي زيد القيرواني يقول:
وكل ذنب سوى الإشراك مغتفر … ربي لمن شاء وليس الشرك مغتفر
فكل ذنب يغفره الله غير أن الشرك غير مغفور. بعضهم قَصَرَ الأمر على الشرك الأكبر. وهذه المسألة مما تسوَّى فيها الخلاف بين أهل العلم قديمًا وحديثًا. وديننا من أهل العلم أطاع للإجماع أهل العلم. والآية عُمُوماتٌ يدخل فيها كل شرك كان أكبر أو أصغر. الشيخ ابن سعدي نصر الله تعالى في القول المقيم قوله مُعارض، يعني النصر أبي يقول وأنا أقول إن الإنسان جلد لِغلاَء وانه يحترز من هذا ومن هذا. من هذا ومن هذا. جاء بشدة الأمر.
إذاً، على العبد أن يجتنب هذا الشرك؛ لأنه أعظم الذنوب ولأنه أعظم الظلم، ولأن الله جل وعلا ما عظَّم ذنبًا مثل الشرك. ولأن إن كان الشرك أكبر كان مُخلَّدًا خالدًا في النار، وأنه يُبطل كل الحسنات ولا يبقى منها شيئًا: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
ثم ذكر الآية في سورة إبراهيم:
وقول الخليل عليه السلام: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾.
فإبراهيم الخليل الذي مرَّ معنا في الباب الماضي أنه أعظم مَن حقق التوحيد، ومع عظم السلام دعا الله أن يجنبه هو وذريته وبنيه أن يعبدوا الأصنام. قال إبراهيم التيمي في مُرَاعاةِ الخليل ابن حاتم: “وَمَنْ يَأْمَنُ الْبَلَاءَ عَلَى نَفْسِهِ بَعْدَ خَلِيلِ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ؟”. يعني: ماذا يؤمِّن من الشرك؟ إذا كان إبراهيم وهو من عظمته وبلغ في التوحيد الإمامة خاف من الشرك كل هذا الخوف. ولهذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بكشف الشبهات يقول: “قول الجاهل: التوحيد عرفناه. الشرك عرفناه، فعاد من بعض من الجهل ومكايد الشيطان” انتهى كلامه.
ولهذا بعض الجهلة يقول لك: “يا أخي توحيد توحيد، هذا أمر ميسور ربما يتعلَّق خلال دقائق”. وبعضهم يقول: “هذا أمر سهل والناس بعيدون عن الشرك”. فيأتينا هنا باب: “أن من هذه الأمة من يُعبد الأوثان”. ولما ترى تفريعات الشرك وعظيم التفاصيل تطلب من الله أن يُسلِّمك وأن يُثبِّتك على التوحيد. لذا لما عرف السلف هذا الأمر حق المعرفة، كان بعضهم يقول: “أنا لا أخاف الذنوب، وأنا أخاف أن أموت على غير مِلة التوحيد”. وهو من أهل العلم والإمامة والعلم والتقوى والخشية لله سبحانه وتعالى.
إذن، الذي ينبغي الخوف من هذا الشرك أكبره وأصغره. سيما إذا علمت أن التوحيد ثمين وخالص عظيم، فقد شيء قد يُكدِّره ويُؤثر فيه. فالقلوب إذا شارف العبد على الموت وحضرته الوفاة، إنما تظهر القلوب على طبيعتها، فتخرج ما فيها. ولهذا يتمنى الإنسان أن يقول: لا إله إلا الله قبل الموت، فخانته جوارحه وخانه لسانه، لماذا؟ لأنه لم يحقق التوحيد كما يحب ربنا ويرضى.
ولذلك يقول ابن القيم في النونية:
واجعل لقلبك مقلتين كليهما … لخشية الرحمن ذات وتان
إِنْ شَاءَ رَبُّكَ كُنْتَ أَيْضًا مِثْلَهُمْ … فَالْقَلْبُ بَيْنَ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ
فالقلب يتقلب، وقد رأينا ما رأينا من كثير من الناس مَن كان اليوم على التوحيد وفي الغد صار إلى الكفر. ومَن كان على السنة فَرَّ إلى بدعة؛ لأن القلوب تتغير والأهواء تعصف بالناس، والأهواء قوية والشبهات خطَّافة والقلوب ضعيفة. فالمرء ينبغي له أن يطلب من الله جل وعلا أن يتوفاه مع صالح المسلمين. ولهذا قال يوسف عليه السلام: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.
ثم ذكر دعاء قال:
“وَفِي الْحَدِيثِ: أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ، فَسُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: الرِّيَاءُ”.
إذاً، هنا النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن أخوف شيء يخاف على هذه الأمة الشرك الأصغر، وفسَّر ذلك بـ الرياء. فهو مُراءَاةُ الناس في ذلك الفعل، تسأل الأمر ليقول أنه فعل وهذا رياء أصغر. ويُخفى عنه طالب العلم ليجيز الرياء؛ لأن صاحبه لا يخرج من الملة. وقد يكون الرياء رياء أكبر وهو رياء المنافقين الذين يُظهرون في الظاهر شهادة التوحيد وهم في الباطن كفار، وليس لهم من لدى التوحيد شيء. قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. في آية النساء قال: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾. ولهذا لما راءوا الله وظنوا وكذبوا على المؤمنين في الدنيا، استحقوا أن يكونوا في أسوأ دركات الجحيم يوم القيامة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾.
ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى الحديث الذي بعده فقال:
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو لِلَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ” رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فمن مات وهو مُشرك ويدعو مع الله جل وعلا نِدًّا أي: شريكًا يدعوه ويطلب منه، فهو خالد في النار يقينًا. إذا كان هذا الشرك شركًا أكبر، فصاحبه لا يخرج من النار. وإذا كان شركًا أصغر فمعناه عذاب، فصاحبه فإنه يخرج. لكن من جاء الأموات وطلب منهم فهذا ارتكب كفرًا أكبر باتفاق العلماء. أن من جاء غير الله وطلبه الشفاء وطلب منهم أن يرزقه وأن يُعافيه، فهذا كافر كفرًا أكبر ناقض عن مِلة الإسلام والعياذ بالله.
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ”
فمن لقي الله جل وعلا ولم يُشرك، فهنا لا يدخل النار، ودخول النار نوعان: دخول تأبيد ودخول تأنيب، وإن شئت فقل: دخول أبدي ودخول أَمَدِيّ. فالذي لم يُشرك بالله جل وعلا يقيناً أنه لا يدخل النار الدخول الأبدي، لكنه إذا وافق وكمَّل التوحيد ومُكمِّلات التوحيد من سعي الطاعة وترك المعصية واجتناب ما يُغضب الله جل وعلا، فهنا لا يدخل النار أصلًا، لا يدخلها دخول تأديب ولا دخول تأليق. أما الكافر فإنه يدخل جنة خلودًا لا يخرج منها: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾.
ثم قال: “وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ”. فإن لقيه بشرك أكبر لا يخرج منها، وإن لقيه على الشرك أصغر يُسَهَّل ويُعذَّب.
الحاصل أن حديث جابر: “مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ”؛ أي: لا يخلد في النار خلودًا أبديًا. فالذي لا يشرك بالله جل وعلا يدخل الجنة يقيناً، لأنه وإن دخل النار وعُذِّب فإنه لا يدخلها دخولًا أبديًا ومعه أصل التوحيد. ولكن إذا اجتنب الشرك ووفَّى التوحيد حقَّ وفائه وقام بما يستوجب التوحيد من فعل الطاعة وترك المعصية، فهذا لا يدخل النار أصلاً. فلا يمكن أن تقول: “أنا لا أشرك بالله إذاً لا أدخل النار”؛ لا. إذا لم تستقم على شرع الله ولم تجتنب الكبائر واتبعت الطاعات، فإنك تضمن إذا كنت على غير الشرك تضمن نجاتك ونجاتك، لكن لا يعني أنك لا تدخل النار أصلًا. ولهذا هذا الحديث معناه: لا يدخل النار خالدًا فيها. فإذا كَمَّل التوحيد حق التكميل، فإنه لا يدخل النار أصلاً كما يدخل الجنة ولا يدخل النار البتة.
باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله
ثم الباب الذي جعله تمهيدًا ختامًا الشيخ، بعد أن ذكر فضل التوحيد وخطر الشرك، أراد أن يُنزل هنا بشاكلة عظيمة وهي أن فضل التوحيد الذي علمنا قدره وفضله وعلمنا خطر ضده وهو الشرك، ما ينبغي لك أن تقتصر بهذا الخير على نفسك، بل ينبغي لك أن تدعو إلى الله على بصيرة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
إذاً، هذه الآية فيها ضرورة الدعوة إلى هذا الخير العظيم. ومن أسس الترجمة لكتاب التوحيد أن هذا الكتاب فيه جِدَّة في توحيد الألوهية، وأن هذا هو أعظم أمر أنزله الله جل وعلا، وأن الشرك هو أعظم خطأ نهى الله جل وعلا عنه. فإذا كنت ناصحًا للناس، فينبغي لك أن تُبلِّغهم أعظم أمر وهو التوحيد، وأن تُحذِّرهم من أعظم شر وهو الشرك. ولهذا أي دعوة قامت على غير هذين الأصلين فإنها دعوة جائعة وإنها دعوة فاشلة ولن تدوم؛ لأن الذي يدوم هو طريق الأنبياء والمرسلين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾.
قال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ وذكر الشيخون في المسائل: قام إلى الله في استجابته للإخلاص؛ لأن بعض الناس بدعاؤهم إنما يدعو لـ حزبه أو طائفته أو إلى نفسه ولا يدعو إلى الله. أما الموحد السني إنما يدعو إلى الله: ﴿لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾.
ثم ذكر حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: “إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ”. أي: عندهم شيء من الاتباع. فما تدعوهم الذين لا يعلمون شيئًا من الاتباع، لكنك تدعو أهل لهم شيء. هل تختلف؟ ولهذا سنُفصِّل الدعوة المُبَرَّرة والعلم والإحاطة بحال المدعو. ولكل مقام مقال.
ثم قال: “فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ”، وفي رواية: “إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ”.
فأعظم شيء تدعو إليه الناس هو التوحيد. فمن بدأ في دعوته للناس بغير التوحيد فهو بادئ بما لم يبدأ به الأنبياء والمرسلون، وبادئ بما لم يبدأ به أتباع الأنبياء والمرسلين. فقالت هؤلاء وقالت هؤلاء، فيقيناً أن دعوته لن تكون مُحسنة على صراط مستقيم.
قال: “وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ”. فقوله عليه الصلاة والسلام خمس صلوات دل على أن الوتر غير واجب، يعني العلماء اختلفوا في هذا؛ لأنه هنا أمر بخمس صلوات فقط في كل يوم وليلة.
“فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ”. يعني: الزكاة هنا. تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ دليل على أنه ولو لم يرض الرجل تُؤخذ منه؛ لأن الزكاة ليست مالك، بل لله حق عليك، جعل الحق للفقراء في مالك. فلذلك إن لم تُطِعْ، فمن الحاكم هو ولي الأمر أن يأخذه عنوة ممن رفض ذلك.
قال: “فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ”. دليل على عدم جواز إخراج الزكاة من البلد. وهذه مسألة معروفة في كتب الزكاة. لكن العلماء يقولون: يجوز إخراجها ونقلها من البلد الذي فيه المال لحاجة. أما لغير حاجة الأصل أن الزكاة تتبع المال. فالمكان الذي فيه المال تُخرج فيه الزكاة.
قال: “فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ”. لماذا قال هذا؟ لأنك إذا أخذت الزكاة من أنفس الأموال، مثلًا أنت عندك إبل، أنا آتي للإبل، تأخذ أنت أحسن إبل وتعطيها زكاة، لا. الزكاة تُؤخذ من أوسط المال، ما من رديئه وما من نفيسه. وبهذا الله جل وعلا فرض الزكاة على وجه لا يضر الغني وينفع الفقير.
قال: “وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ”. لأنك إذا حصلت حتى كرائم أمواله فيدعو عليك. فإن كانوا حتى كفاراً فإن الدعوة تُقبَل؛ لأن المظلوم تُرفع دعوته لو كان كافرًا.
وَلَهُمَا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: “لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ”
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يُنفِّذ حديثه. قال: “لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ”. وهذه العبارة في الحقيقة الكل يدعيها، حتى كنتُ أسأل رجلًا أقول له: “أتحب الله؟” قلت له. فالشأن ليس أنت أنت تُحبه، فكلهم يدَّعوا حب الله وحب نبيه صلى الله عليه وسلم. لكن الشأن كل الشأن في: “وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ”.
ولهذا هنا الصحابة لم يهمهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: “يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ”؛ لأن كلهم يحب الله ورسوله، ثبت. لكن الذي أهم أصحابه هنا هو: “وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ”. قال: “يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ”. فجاءت الناس يتذاكرون ليلتهم، لا يخوضون، كل واحد تمنى أن يُعطى على يديه الراية. حتى جاء عن عمر وقال: “مَا تَمَنَّيْتُ الْإِمَارَةَ إِلَّا تِلْكَ اللَّيْلَةَ”.
فلما أصبحوا غدًا وعلي رضي الله عنه صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو المعطاة، فقال: “أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟”. فقيل: “هُوَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ”. فأرسل إليه فأُتِيَ به، فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ ودعا له فَبَرِئَ، فَكَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ. وهذا من آيات النبوات، النبي صلى الله عليه وسلم يشفي المرضى بِبُصاقه، لما جعل الله جل وعلا في بصقته وفي دعائه من البركة.
قال: “فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، وَقَالَ: “انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ” يعني: على مَهَلِكَ، “حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ”.
والشاهد: “ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ”. والإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد. أيضاً الانقياد في الطاعة والبراءة من الشرك وأهله. فعند عمر تجعلنا سائرين والإسلام أي: التوحيد. أَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللهِ تَعَالَى فِيهِ. فالحق الإسلام، فإذا أطعت فللإسلام حق عليك ولله جل وعلا حق ولهذا رسوله صلى الله عليه وسلم. فينبغي لتفاهم تلقَّاه بأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قال: “فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ”. وحُمر النعم هي الإبل الحمراء العالية والنفيسة عند العرب. فالحاصل أن من أهدى الله جل وعلا به رجلًا، فخير له من هذه الأموال العظيمة؛ لأن هداية الخلق هي وظيفة الأنبياء. يقول رحمه الله: “أصناف الخلق من كان بين الله وبين عباده، كيد”. من قال الأنبياء والعلماء؟ أولئك الذين يكون بين الله وبين خلقه كيد تبليغ الشريعة. والعلماء ورثة الأنبياء. والعلماء في هذا بيان شرف العلم وأهله.
خلاصة الدروس
إذاً، خلاصة الدروس ظاهرة وعظيمة:
- مر معنا فضل التوحيد وأن من حقق التوحيد كما ينبغي وكما يحب ربنا ويرضى، دخل الجنة بغير حساب ولا سابق عذاب.
- مر معنا بعدها الخوف من الشرك وأن الشرك أمره عظيم ومُخيف.
- ثم بيَّنا في الباب الذي بعده أن من دعا إلى عبادة التوحيد، فإنما هو في الحقيقة مُهتم بالأنبياء والمرسلين الذين بدأوا دعوتهم بالإرشاد إلى التوحيد، وعاشوا من أجل التوحيد وماتوا في سبيل دعوة الناس إلى التوحيد.
نكتفي بهذا القدر، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.