الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
إذًا، أنهينا في الدرس الماضي باب الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، واليوم نقرأ الباب الذي بعده.
باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
إذًا، بعد أن ذكر فضل التوحيد، وبعد أن ذكر الخوف من ضده وهو الشرك، وذكر الدعوة إليه؛ أراد أن يُبيِّن الشيخ: ما هذا التوحيد الذي ذُكرت فيه كل هذه النصوص؟ فهنا في هذا الباب سيُبيِّن ما هو التوحيد وما الذي ينبغي أن يعتقده العبد في معنى هذه الشهادة.
قال: وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ…﴾ الآية.
هذه الآية من سورة الإسراء. وسبب نزول هذه الآية اختلف فيه العلماء على سببين. خلاصة المسألة أن أقوامًا من العرب كانوا يعبدون أقوامًا من الجن، وهؤلاء الجن لما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم آمنوا به وأسلموا، فبقي العرب يعبدون أولئك الجن. فالله تعالى بيَّن في هذه الآية أن أولئك الذين يدعون، يعني: الذين تَدْعُونَهُم، أنفسهم يعبدون الله جل وعلا. فالمعبود يعبد الله وهو الجني، فكيف بك أنت أيها العبد الضعيف لا تعبد الله جل وعلا؟
فالآية تريد تبيِّن أن لا بُد في الإيمان وفي التوحيد من الكفر بالطاغوت وعدم عبادة غير الله؛ لأن الذي تعبده هو نفسه خاشع متذلل لله، وكل مخلوق خاشع متذلل لله إما بلسان الحال أو بلسان المقال. ولهذا بعض العلماء استشكل لماذا هذه الآية ذكرها الشيخ هنا؟ وفي الحقيقة مناسبة الآية للباب ظاهرة في أن من أراد أن يوحد الله فينبغي له أن لا يعبد إلا الله ويكفر بكل ما يُعبد من دون الله.
تفسير هذا في الآية التي بعدها، آية الزخرف:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ﴾ – أبوه آزر – ﴿وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾. فإبراهيم عليه السلام تبرأ من كل ما يُعبد من دون الله وهذا هو النفي. ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، فالذي خلق وفطر هو الذي يستحق العبادة.
ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾. ما هي الكلمة التي تركها؟ هي كلمة “لا إله إلا الله”. وعقبه هم الأنبياء الذين أتوا بعده وذريته، فيها الأنبياء وهو أبو الأنبياء عليه الصلاة والسلام، يعني: بعد إبراهيم وبعد نوح.
قال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، يعني: إلى تلك الكلمة.
إذًا، فالمناسبة الآية لكتاب التوحيد والترجمة (أي: تفسير التوحيد) ظاهرة في أنه لا يتم التوحيد إلا بالنفي والإثبات. تنفي العبادة عن كل ما سوى الله وتُثبت العبادة لله الذي فطر الخلق وخلقهم. ولهذا من دلائل التوحيد الظاهرة الاستدلال بالربوبية، فإن الرب هو المستحق للعبادة.
قال: وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾.
قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ أي: معبودات من دون الله. وتفسير هذا فيما روى الترمذي بسند حسن أو صحيح أن عدي بن حاتم رضي الله عنه لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية قال: “يا رسول الله ما عبدناهم؟” قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أَلَمْ يَكُونُوا يُحِلُّونَ لَكُمُ الْحَرَامَ فَتَسْتَحِلُّوهُ؟” قال: “نعم”. قال: “وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْكُمُ الْحَلَالَ فَتُحَرِّمُونَهُ؟” قال: “نعم”. قال: “تِلْكَ عِبَادَتُكُمْ إِيَّاهُمْ”.
إذًا، الذي ينبغي أن يكون عليه الموحد هو إفراد الله بالعبادة، وأن يعلم أن المتصرف في القدر وأن المتصرف في الشرع هو الله جل جلاله وحده لا شريك له. فقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ مثل قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ﴾ فينبغي للعبد الموحد أن لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، وأن يكفر بكل ما يُعبد من دون الله جل وعلا.
قال: وقوله يعني وقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾.
هذه الآية آية المحبة، يأتي بيانها على وجه التفصيل إن شاء الله تعالى في بابها وهو باب المحبة، يأتي معنا في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. وفسر أهل العلم هذه الآية على تفسيرين:
قال بعضهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ أي: يحبون آلهتهم كما يحب المؤمنون الله.
وقال بعض المفسرين: المقصود أنهم يحبون الله كما يحبون آلهتهم، فهم ساووا بين آلهتهم وبين الله جل وعلا في المحبة. وهذا هو الصحيح في التفسير، ويشهد لهذا قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، وقول الله جل وعلا: ﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
فتسوية غير الله بالله في شيء من حقوق الله هو الشرك. ولهذا تظهر من هذه الآية أن التوحيد أن لا تعبد إلا الله وحده لا شريك له، ولا ترفع أحدًا إلى درجة أو إلى رتبة جبّار السماوات والأرض سبحانه وتعالى.
قال: “وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ” أي: لا معبود حق إلا الله، “وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ…”
يعني: ينبغي له أن لا يكتفي فقط بتوحيد الله، بل لا يستقيم التوحيد إلا بالكفر بالطاغوت وبالكفر بكل ما يُعبد من دون الله.
قال: “…وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ”. فمن أتى بناقض من نواقض تلك الشهادة ولم يلتزم مقتضيات تلك الكلمة وهي كلمة التوحيد “لا إله إلا الله”، فهنا تذهب عنه تلك العصمة. ولهذا قاتل الصحابة من ارتد من العرب، وقاتل الصحابة أتباع مُسيلمة وهم يقولون: “لا إله إلا الله”، وقاتل الصحابة من منع الزكاة وهم يقولون: “لا إله إلا الله”.
إذًا، “لا إله إلا الله” كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إِلَّا بِحَقِّهَا”. فلا يأتينا إنسان يقول: “من قال لا إله إلا الله ينبغي أن لا يكفر أبدًا”، يقال: “إذا ارتكب مُكفِّرًا كفر” قول ابن القيم في النونية.
وهنا في العادة لا نقرأ مسائل الكتاب، لكن هنا سأقرأ مسائل الكتاب؛ لأن الشيخ قال بعدها: “وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب”. ذلك بأن كل الكتاب التوحيد وفي الحقيقة في تفسير كلمة “لا إله إلا الله” أي: “لا معبود حق إلا الله”. كل الكتاب في هذا، في بيان تفسير الكلمة وبيان ضد الكلمة وهو الشرك وما يُنافيها إما مُنافاة كمال أو مُنافاة لأصل التوحيد.
قال المصنف رحمه الله في مسائل الكتاب:
بعد أن ذكر الأدلة قال: بيان يعني يقصد أن الله جل وعلا في آية الإسراء قال: “بَيَّنَ فِيهَا الرَّدَّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الصَّالِحِينَ”. ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر. يعني الشرك الأكبر هو دعاء الصالحين.
والدعاء نوعان: دعاء مسألة و دعاء عبادة.
دعاء المسألة هو دعاء الطلب، أن تقول: “اللهم اغفر لي وارحمني واجبر كسري” إلى غير ذلك.
دعاء العبادة هو كل عبادة، وسميت العبادة دعاء؛ لأن الذي يقوم بالعبادة وكأنه في حال عبادته يقول: “اللهم تقبل مني وارزقني الجنة وقني عذاب النار”.
إذًا، كل عبادة هي دعاء، لكن الدعاء نوعان: دعاء مسألة وهو مطلق الطلب، و دعاء عبادة. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. يأتي الإنسان يقول لك: “يا أخي أنا صليت ولم أدعُ”، يُقال: “الصلاة دعاء” لكن دعاء عبادة وليس دعاء مسألة. وينبغي التفريق بين هذين الأمرين.
قال المصنف: “وَمِنْهَا آيَةُ بَرَاءَةَ بَيَّنَ فِيهَا أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا إِلَّا بِأَنْ يَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا، مَعَ أَنَّ تَفْسِيرَهَا الَّذِي لَا إِشْكَالَ فِيهِ طَاعَةُ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ فِي الْمَعْصِيَةِ لَا دُعَاؤُهُمْ إِيَّاهُمْ”.
فإذا كان الذي أطاع واعتقد أن ما أحله العالم والله حرَّمه حلال، وما حرَّمه العالم والله أحله حرام، من اعتقد هذا فقد اتخذه ربًّا. فما بالك بمن صرف له السجود والنحر والنذر والاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله وغير ذلك من الأمور؟
قال المصنف بعدها: “وَمِنْهَا قَوْلُ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْكُفَّارِ: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾”. وهذا مرَّ معنا بيانه.
ثم ذكر المصنف تعليقاً على حديث: “مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ” قال: “وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يُبَيِّنُ مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ التَّلَفُّظَ بِهَا عَاصِمًا لِلدَّمِ وَالْمَالِ، بَلْ وَلَا مَعْرِفَةَ مَعْنَاهَا مَعَ لَفْظِهَا، بَلْ وَلَا الْإِقْرَارَ بِذَلِكَ، بَلْ وَلَا كَوْنَهُ لَا يَدْعُو إِلَّا اللهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، بَلْ لَا يَحْرُمُ مَالُهُ وَدَمُهُ حَتَّى يُضِيفَ إِلَى ذَلِكَ الْكُفْرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، فَإِنْ شَكَّ أَوْ تَوَقَّفَ لَمْ يَحْرُمْ مَالُهُ وَلَا دَمُهُ، فَيَا لَهَا مِنْ مَسْأَلَةٍ مَا أَعْظَمَهَا وَأَجَلَّهَا، وَيَا لَهُ مِنْ بَيَانٍ مَا أَوْضَحَهُ وَحُجَّةٍ مَا أَقْطَعَهَا لِلْمُنَازِعِ”.
إذًا، خلاصة الباب أن “لا إله إلا الله” نفي كل ما يُعبد من دون الله، وإثبات العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته، كما أنه لا شريك له في مُلكه. فمن نفى ولم يُثبت فقد ألحد، يقول: “لا إله” هذا ملحد. ومن أثبت ولم يَنفِ فقد أشرك، يقول: “أنا أعبد الله لكن لا مانع أن أعبد غيره معه” هذا مُشرك. أما من نفى ووحد وعمل بـ “لا إله إلا الله” فهذا قد وحَّد. جعلني الله وإياكم من الموحدين.
باب من الشرك لُبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه
قال بعدها: باب من الشرك لُبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه.
هنا قال: “باب من الشرك” ولم يبيِّن الشيخ الإمام هل هو من الشرك الأكبر أم هو من الشرك الأصغر. ثم قال: “لُبس الحلقة والخيط ونحوهما”؛ لأن الحلقة والخيط مثال، وإلا الأمثلة كثيرة. قال: “لرفع البلاء أو دفعه”. رفع البلاء يكون بعد وقوعه، إنسان مَرِض فعلَّق خيطًا لرفع البلاء. أما قبل أن يمرض يَدْفَع البلاء؛ فالرفع يكون بعد الوقوع، والدفع يكون قبل وقوعه.
قال: وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾.
هل الآلهة التي يعبدها الكفار تكشف الضر أو تملك الخير والنفع؟ بل لا يملك النفع والضر إلا الله جل وعلا. وما يقع شيء إلا بإذنه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. ولهذا إذا أقرَّ القوم بأن النافع والضار والمعطي والمانع والمحيي والمميت والرازق هو الله، يُقال لهم: “إذا أقررتم بهذا لماذا لا تعبدوه إلا هو؟” إذا أقررت بأنه الرب، لماذا لا تلتزم وتعبده وحده وتفرده بالعبادة كما أفردته بالربوبية؟
ولهذا قال جل وعلا: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. نعم. قال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. إذًا، هم يُقرون بأن الله الخالق لكنهم يعبدون غيره، وبهذا كفروا.
فليأتي إنسان يقول: “أنا أعبد القبر وأعلم أن المعطي هو الله والمحيي هو الله، ولكنني أعبد القبر لأتقرب به إلى الله”. قال: “هكذا كان أبو جهل وهكذا كان أبو لهب”. ولهذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كشف الشبهات: “فبئس قوم” كما يقوله أيضًا في كتاب التوحيد: “أبو جهل أعلم منهم بمعنى لا إله إلا الله”. وقال: “فَلَا خَيْرَ فِي قَوْمٍ جُهَّالِ الْمُشْرِكِينَ أَعْلَمَ مِنْهُمْ بِمَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ”. ولهذا الناس الآن لا يفقهون معناها، ولا يدخل أحد ولا تنفع الشهادة إلا من اعتقد معناها وعمل بمقتضاها.
قال بعدها: “وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ حَلْقَةٌ مِنْ صُفْرٍ”.
”حلقة من صفر” أي: نُحاس. فقال: “مَا هَذِهِ؟” قال: “مِنَ الْوَاهِنَةِ”. “الواهنة” مرض يصيب العضد أو الذراع. فقال عليه الصلاة والسلام: “انْزِعْهَا، فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا”.
يعني: “انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنًا” إما وهنًا حِسِّيًّا أي: ألمًا ومرضًا عقابًا له بنقيض قصده، أو وهنًا في قلبه وضَعفَه؛ لأن الله جل وعلا سيخذله. ومن تعلَّق بغير الله يصبح كالأسير للذي تعلَّق به. ولهذا من تعلق شيئًا وُكِلَ إليه، فهو يصبح ضعيف القلب؛ لأن أن يصل الإنسان أن يتمسك بخيط فلا شك أنه من أوعى الناس. والله تعالى قال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾، أي: خوفًا على خوف. والآية لا مانع أن تُحمَل والحديث لا مانع أن يُحمَل على هذا وهذا.
قال: “فَإِنَّكَ لَوْ مُتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا”. لأن الذي مات وهو متعلق بغير الله جل وعلا لن يفلح. فإذا كان هذا التعلق تعلق من جهة الشرك الأكبر يُخلد في النار ولا يخرج منها، وإذا كان التعلق من جهة الشرك الأصغر فإنه يُعذَّب على قَدْر شركه ثم مآله إلى الجنة.
قال: وَلَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ يَعْنِي: لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا أَيْ: إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. “مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ”.
”وما أُضيف للنبي هو المرفوع وما لتابع فهو المقطوع”. فأي حديث يُنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو المرفوع.
قال: “مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ”. “التميمة” تُسمى تميمة لأن العرب كانوا يُعلِّقونها، إن كانت من خيط أو حلقة أو غيرها، يُعلِّقونها ليتم لهم أمرهم وليتم لهم مُرادهم. فقال عليه الصلاة والسلام: “مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ”، يعني: دعا عليه أن لا يتم الله له. لماذا؟ لأن من أشرك بالله لا يُعينه الله، ومن أشرك بالله ليس أهلًا ولا يستحق إعانة الله ونصرته وتوفيقه، بل هو مخذول؛ لأنه وُكِلَ إلى غير قوي، لأنه توكل على غير الله.
قال: “وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ” أي: لا تركه في وديعة. و**”الودعة”** هي نوع من الصدف يأتون به من البحر يُعلِّقونه. وهذا موجود كثيرًا عند الأفارقة. قال: “فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ” أي: فليعاقبه الله جل وعلا بنقيض قصده فلا يتم له مُرادُه.
قال: “وَفِي رِوَايَةٍ: “مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ” فمن تعلَّق تميمة إما خيطًا أو حلقة أو أي شيء فقد أشرك بالله جل وعلا. والشرك قد يكون شركًا أصغر وقد يكون شركًا أكبر وقد يكون دون ذلك.
حالات التعليق:
لو اعتقد أن الخيط أو الحلقة أو التميمة تنفع وتضر وتدفع البلاء، هذا كفر أكبر وشرك أكبر.
فإن اعتقد أنها سبب فهي شرك أصغر؛ لأنه جعل سببًا ما لم يجعله الله سببًا. فهو الشرك من جهة الربوبية، والشرك من جهة الألوهية؛ لأنه تعلق بغير الله.
الأمر الثالث: أن يُعلِّقها إنسان ولا يعتقد فيها اعتقاد، فقط يُعلِّق حلقة ويمشي هكذا ويقول: “أنا لا أعتقد فيها”. هذا مُحرَّم؛ لأنه شابه المشركين.
إذًا، عندنا كم من صورة هنا؟ الصور ثلاثة: إما أن يعتقد فيها النفع والضر فهو شرك أكبر، إما أن يعتقد فيها السببية فهو شرك أصغر، إما أن يُعلِّقها فقط وهو مُحرَّم؛ لأنه شابه المشركين ولو في الصورة الظاهرة.
قال: وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ خَيْطٌ مِنَ الْحُمَّى، فَقَطَعَهُ، وَتَلَا قَوْلَهُ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾.
استدل بآية في الشرك الأصغر على الشرك الأكبر؛ لأن هذا الرجل تعلَّق بغير الله. فقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. والشيخ قال: باب لُبس الحلقة والخيط ونحوهما، فيدخل في هذا كل ما يُعلَّق للعين وكل ما يُعلَّق لدفع البلاء إلى غير ذلك من الأمور.
وينبغي للعبد أن يعلم أن الأسباب فيها أمور ينبغي أن تعلم، نبَّه عليها الشيخ ابن سعدي في القول السديد:
أن لا تجعل سببًا لم يجعله الله سببًا. يعني: أنك تعلِّق خيطًا حتى تبرأ من المرض، ما العلاقة بين الخيط والمرض؟ فأنت جعلت سببًا لم يجعله الله جل وعلا سببًا لا شرعًا ولا قدرًا.
أن لا تعتمد على السبب. مثلًا أنت مريض أخذت الدواء، هذا سبب شرعي، لكن لا ينبغي لك أن تتوكل وتعتمد على ذلك الدواء؛ لأن النافع والضار هو الله وحده لا شريك له.
أن تعتقد أن هذه مهما عظُمت تبقى أسبابًا، وأن المُسبِّب الحقيقي هو الله، وأن أي شيء ما أراده الله لن يقع: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
وكلما تعلَّق العبد بالله كلما كان أسعد وكلما كان عن الخوف أبعد، وكلما تعلَّق بغير الله كلما كان أشقَى وكان بالخوف أحرى، احفظوا هذا. فمن تعلَّق بالله جل وعلا فهو السعيد الناجي، ومن تعلَّق بغيره فهو الهالك.
وهذا باب عظيم، والشيخ رحمه الله تعالى بيَّن هنا أن هناك طرقًا مُحرَّمة يعتمدها الناس لدفع المرض والعين.
باب ما جاء في الرُّقى والتمائم
فأتبع هذا الباب بباب بعده فيه تفصيل لهذا الباب وفي نفس الوقت أيضًا فيه بيان الأسباب الشرعية التي هي خير، وبيان منع الأسباب الشركية التي هي شر.
فقال في الباب الذي بعده: باب ما جاء في الرُّقى والتمائم.
قوله: “ما جاء في الرُّقى” لم يقل: “من الشرك”، قال: “باب ما جاء” وأبهم، ولم يبيِّن هل هو شرك، هل هو جائز، هل هو مُحرَّم؛ لأن الرُّقى تختلف، منها ما هو جائز بالاتفاق ومنها ما هو مختلف فيه.
أما التمائم فكلها مُحرَّمة… عفواً. أما الرُّقى فمنها ما هو مُتفق على صحته ومنها ما يُحرَّم. وأما التمائم فمنها ما هو مُتفق على حُرمته ومنها ما هو مختلف فيه كتميمة القرآن كما سيأتي معنا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: “عَنْ أَبِي بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَأَرْسَلَ رَسُولًا: “أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ”
فالنبي صلى الله عليه وسلم أرسل هذا الصحابي وقال له: “لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ”. “القلادة” التي تُقلَّد بها البعير تضع في الرقبة. “مِنْ وَتَرٍ”. “الوتر” هو الخيط الذي أو الحبل الذي يوضع في القوس. فهذا هو الوتر. فكان العرب يضعون هذا لرفع البلاء ودفع العين عن الدواب. فالنبي صلى الله عليه وسلم منع هذا كي لا نُشابه المشركين ولو في الصورة الظاهرة.
فقال: “لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ” كما كان العرب يفعلون، “أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ”. وهذا فيه حسم وقطع لأسباب الشرك. فإن كانت القلادة من وتر قُطِعت؛ لأنها أقل ما يُقال أنها شابهت المشركين في الصورة الظاهرة. وإن كانت القلادة من غير الوتر، مثلًا أن يضع حبل في الرقبة، فإن كان الاعتقاد فيها تُقطع فهي محرمة كغيرها. وإن كانت لغير اعتقاد لكن فقط ليسوق بها الدابة، فهذا جائز ولا إشكال، ولا تستطيع أن تسوق الدابة إلا إذا ربطت فيها خيطًا.
الرُّقى هي عزائم وأوراد تُقال، ينفع الله جل وعلا بها بإذنه إذا كانت على الوجه الشرعي. الرقية هي أقوال تُقال، وقد يصحبها نفخ ونفث في اليد ومسح على الجسد، تنفع المريض. المرض إما يكون مرض من حيث الصرع والجن أو يكون مرض من جهة الجسد والحمى وغير ذلك. وتنفع بإذن الله تعالى.
والرقيا لا تصح إلا بثلاثة شروط أجمع عليها العلماء:
أن تكون من كلام الله جل وعلا ومن كلام رسوله صلى الله عليه وسلم وليس فيها شرك.
أن تكون باللغة العربية أو بما يُفهم من اللسان.
أن لا يعتقد للراقي وللمرقي أنها تنفع استقلالًا، وإنما هي سبب، والذي يشفي حقيقة هو الله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾.
قال: “وَالتَّمَائِمِ”. التمائم مرَّت معنا وهي ما يُعلَّق من أجل أمر، وهي على التفصيل الذي مر: إما شرك أكبر، أما شرك أصغر، أم مُحرَّمة.
قال: “وَالتِّوَلَةِ”. و**”التولة”** شيء يجعلونه يُحبِّب المرأة لزوجها، كما سيأتي، أيضًا هذا من أنواع الشرك. رواه أحمد وأبو داود.
ثم قال: “وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ مَرْفُوعًا: “مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ” رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ”.
فالذي يتعلق بقلبه شيئًا، والذي يُعلِّق على نفسه شيئًا، فإنما قد وُكِلَ إليه. ومن وُكِلَ إلى غير الله هلك. ومن دعائه عليه الصلاة والسلام: “اللهم أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين”. فما بالك إذا وُكِلْتَ إلى قطعة من حديد أو إلى خيط؟
قال: “التَّمَائِمُ شَيْءٌ يُعَلَّقُ عَلَى الْأَوْلَادِ يَتَّقُونَ بِهِ الْعَيْنَ”.
لكن إذا كان المُعلَّق من القرآن، فرخَّص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يُرخص فيه ويجعله من المنهي عنه. فإذا كان المُعلَّق من غير القرآن، فاتفق السلف على تحريمه. أما إن كان المُعلَّق من القرآن فاختلف السلف على قولين: قال بعضهم: “هذا جائز” وقال بعضهم: “هذا ليس بجائز”.
والصحيح أن هذا ليس بجائز ولو كانت من القرآن. ولماذا ليس بجائز؟ قال العلماء لثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن النهي جاء عامًا. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: “مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ” ولم يقل: “إلا تميمة القرآن”. فبما أن الشارع أطلق فنُطلق.
الأمر الثاني: أن تعليق القرآن قد يكون سببًا ووسيلة وذريعة إلى تعليق غير القرآن. ومن المعلوم أن الشريعة جاءت بسد الذرائع، ولهذا لا ينبغي أن يُعلَّق هذا كي لا ينجر الناس إلى تعليق غيره.
الأمر الثالث: وهو أنك إذا علَّقت القرآن على الصبي أو على نفسك، فإنه يُخشى أن يدخل به بيت الخلاء، وفي هذا امتهان وعدم احترام لكلام الله جل وعلا.
فالراجح والصحيح من أقوال السلف إن شاء الله تعالى أن التمائم مُحرَّمة جملة وتفصيلًا، قرآن أو غير قرآن. ومن الذين منعوا هذا ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه.
قال: “وَالرُّقَى هِيَ الَّتِي تُسَمَّى الْعَزَائِمَ وَخُصَّ مِنْهَا الدَّلِيلُ مَا خَلَا مِنَ الشِّرْكِ، فَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْعَيْنِ وَالْحُمَّةِ”.
”العين” التي تُصيب الإنسان، والعين هي نظر باستحسان قد يكون من خبيث نفس وقد يكون من غير خبث نفس، يضر العبد في جسده وفي روحه. العين: نظر باستحسان، تنظر إلى شيء يعجبك، فإذا لم تذكر اسم الله جل وعلا تُصيب، فإذا ذكرت اسم الله جل وعلا لن يضرك شيء. واختلف أهل العلم فيما هي العين، وقد ذكر ابن القيم في الطب النبوي أن العين الظاهر أنها من ضرب الشيطان لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “الْعَيْنُ حَقٌّ وَيَحْضُرُهَا الشَّيْطَانُ”. فلهذا ينبغي لك أن تذكر اسم الله.
قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. فينبغي لك أن تقول هذا أو أن تذكر اسم الله جل وعلا كي لا تضر تلك العين. ومرَّ معنا أن الرقية لها الشروط الثلاثة، فهذه ينبغي أن تُحفظ. والنبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح قال: “اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكًا”. ولهذا الرقية هي من العلاج، وهذا العلاج لا يصح إلا بتلك الشروط، فإذا اختل أحد الشروط فيصبح مُحرَّمًا وقد يكون من الشرك.
قال: “وَالتِّوَلَةُ هِيَ شَيْءٌ يَصْنَعُونَهُ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُحَبِّبُ الْمَرْأَةَ إِلَى زَوْجِهَا وَالرَّجُلَ إِلَى امْرَأَتِهِ”. فهذا أيضًا من جملة التمائم المُحرَّمة.
قال: “وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ رُوَيْفِعٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “يَا رُوَيْفِعُ، لَعَلَّ الْحَيَاةَ تَطُولُ بِكَ، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ، أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا، أَوِ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ”
الشاهد من هذا الحديث أن: “مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ” قيل أن العرب كانوا يعقدون اللحية من أجل العين وقيل أن هذا من أجل الخيلاء، فالنبي صلى الله عليه وسلم تبرأ من فعل أصحاب الجاهلية. قال: “أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا” أي: علَّق قلادة من وتر، وهذا مرَّ معنا. “أَوِ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ” أي: بروث دابة، “أَوْ عَظْمٍ”؛ فإن هذا من طعام الجن. قال: “فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ”. فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم يتبرأ من الذي يُعلِّق تميمة أو قلادة من وتر.
قال: “وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً مِنْ إِنْسَانٍ كَانَ كَعَدْلِ رَقَبَةٍ” رَوَاهُ وَكِيعٌ”.
فإن قَطْعَ التمائم قُربة إلى الله جل وعلا تَعْدِل إعتاق رقبة. وهذا فيه فضل قَطْع هذه الأمور، ولا ينبغي للإنسان أن يترك على ابنه أو زوجته أو من له ولاية عليه أن يترك عليه هذه الأمور التي هي تسبب غضب الرحمن جل جلاله.
قال: “وَلَهُ يَعْنِي وَكِيعٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّمَائِمَ كُلَّهَا، مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِ الْقُرْآنِ”. وهذا يبيِّن أن الصحيح إن شاء الله تعالى أن التمائم كلها مُحرَّمة إن كانت من القرآن أم من غير القرآن.
إذا علمتم هذا، فتعلم أن الشريعة جاءت بسد طُرُق الشرك كلها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أنصح الناس للناس، فما ترك شيئًا من الخير إلا أمر به، وما ترك شيئًا من الشر أو من الوسائل المؤدية إليه إلا نهى عنه. وهذا في القرآن وفي السنة.
ونكتفي بهذا القدر، والله جل وعلا أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.