الدرس 4 من شرح مختصر لكتاب التوحيد (عبر الهاتف 1433هـ) – الصغير بن عمار

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اهتدى بهديه واستنَّ بسُنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد:

​أنهينا في الدرس الماضي باب ما جاء في الرقى والتمائم، وبيّنا الفرق بين الرقى الشرعية والرقى الشركية، وأن الرقية لا تُقبل إلا بشروط، وأن التمائم كلها مُحرَّمة إن كانت من القرآن أم من غير القرآن، لِما مرَّ معنا من الأدلة.

باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما

​ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما. ولم يقل الشيخ هنا رحمه الله: “هل هذا شرك أم غير شرك”، فأطلق.

​والجواب أن يقال: حُكم هذا هو الشرك، كما صرّح بذلك شُراح الكتاب. فمن تبرك بشجر أو حجر ونحو ذلك فهو من الشرك. فقد يكون شركًا أكبر إذا اعتقد فيه النفع والضر استقلالًا، وقد يكون شركًا أصغر إذا اعتقد أنه سبب لِمَجلَبة الخير، فإنه جعل سببًا لم يجعله الله جل وعلا سببًا، وبذلك يكون قد ارتكب شركًا.

​ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ﴾.

​فقوله جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ﴾. “اللات” تُقرأ اللات، وتُقرأ بالتشديد: اللاتَّة.

  • ​فإذا كانت اللات هكذا (بالتخفيف) فهي مشتقة من الإله. والكفار كانوا يُلحدون في أسماء الله فاشتقوا العُزَّى من العزيز واللات من الإله ومَناة من المنَّان. فاللات صخرة كانت تُعبَد أو قبر كان يُعبَد.
  • ​وقرأ ابن عباس هذا بقراءة التشديد فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ﴾. قال: “واللات رجل كان يَلُتُّ لهم السَّوِيق”. “يلُت لهم السويق” يعني: كان يأخذ الدقيق عند العرب ويخلطه بماء وسمن ويُعطيه للحجاج، فكان رجلًا صالحًا مُعظَّمًا عندهم، فلما مات عكفوا على قبره.

​وبهذا تعلم أن الكفار لم يكونوا يعبدون الأحجار هكذا، بل كانوا يعبدون الأحجار لأنها إما صُوَرٌ لأقوام صالحين، أم لأنهم يعتقدون أنها أرواح تصعد إلى الله جل وعلا وتشفع لهم عند الله.

​فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ﴾. العُزَّى شجرة كانت تُعبَد أيضًا عند المشركين في جزيرة العرب. وأرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها. فلما رجع قال: “قطعتها”. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مَا فَعَلْتَ بِالْكَاهِنَةِ الَّتِي كَانَتْ تُشَجِّعُ النَّاسَ وَتَدْعُو النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ؟” قال خالد: “لم أفعل شيئًا بالكاهنة”. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ارْجِعْ فَإِنَّكَ لَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا”. فرجع رضي الله عنه فوجدها امرأة عُريانة ناشرة شعرها تحت التراب على رأسها، فجزَّها بالسيف وقال قولته المشهورة: “يا عُزَّى! كُفرانَكِ لا سُبْحانَكِ، إني رأيتُ اللهَ قد أهانَكِ”. ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلاة والسلام: “تِلْكَ الْعُزَّى يَا خَالِدُ”. يعني تلك هي العزة الحقيقية، تلك المرأة الكاهنة الكافرة الفاجرة التي كانت تدعو الناس إلى عبادة غير الله جل وعلا.

​فالشاهد هنا أن الكفار كانوا يعبدون اللات والعزَّى ومَناة الثالثة الأخرى وغيرها من الآلهة، وكان الكفار يتبركون بها. كانوا يتبركون بهذه الأحجار ويتبركون بتلك الأشجار كالعزَّى. ومن وقع في هذا من المسلمين إنما هو قد شابه المشركين، فإن خالفهم في الاعتقاد ولكنه شابههم في بعض أنواع التعلق بغير الله؛ لأن، كما قلنا، التبرك أنواع، منه ما هو كفر أكبر ومنه ما هو دون ذلك.

​والبركة مشتقة من كلمتين: من النمو والزيادة، ومن الثبات والثبوت. فمن تبرك بشيء إنما يطلب بقاء الخير وثبوته وزيادته. ولكن التبرك لا يكون إلا بما شرع الله وشرع رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

​ثم ذكر عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: “خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَلِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ. فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “اللهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السَّنَنُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ” رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ”.

​الشاهد هنا في هذا الحديث أن هؤلاء الصحابة الذين هم حُدثاء عهد بكفر ما زالوا ما علموا تفاصيل التوحيد، فكان عندهم نوع من الجهل، فطلبوا أن يجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شجرة يَنوطون بها أسلحتهم.

​واختلف أهل العلم هنا: هل الذي طلبه الصحابة هنا شرك أصغر أم شرك أكبر؟

  1. ​قال بعضهم: بل طلبوا الشرك الأصغر، أي: طلبوا التبرك الشركي الذي يكون أصغر. كيف يكون هذا؟ أنهم يظنون أن النبي صلى الله عليه وسلم لو جعل لهم شجرة كالسدر هذه أو كذات أنواط، يعلقون عليها أسلحتهم. وهذا الذي أشار إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مسائل الكتاب هنا.
  2. ​والأمر الآخر أو القول الآخر قالوا: لا، الذي أراده الصحابة الذين هم حُدثاء عهد بكفر هنا هو الشرك الأكبر. والدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “قُلْتُمْ كَمَا قَالَتْ…” يعني: شبَّه قولهم بقول بني إسرائيل، وبنو إسرائيل إنما طلبوا الشرك الأكبر فقالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ يعني: معبودًا، ﴿كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. قال: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. وإلى هذا القول الثاني ذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب بنفسه في كشف الشبهات.

​إذًا، الشيخ عنده قول هنا وقول هنا. وبعض أهل العلم يقول: قد يكون في الصحابة الذين طلبوا بعضهم أراد الأكبر وبعضهم أراد الأصغر.

لكن هل كَفَرَ الصحابة بهذا؟ الجواب: قطعًا لا؛ لأنهم لو كفروا عياذًا بالله لأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بوجوب تجديد الدين وإعادة الدخول في الملة والتشهد بشهادة التوحيد، وهذا لم يطلبه عليه الصلاة والسلام. إذًا دلَّ على ماذا؟ دلَّ على أنهم لم يكفروا.

​قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كشف الشبهات: ما استفيد من هذه القصة أن من طلب فِعل الشرك وهو جاهل به، فَنُبِّهَ فرجع وتاب مباشرة، فهذا لا يكفر. فإذا فعل كفر. إذًا، الصحابة طلبوا لكن طلبوا عن جهل، ليس عن علم، فلما نُبِّهوا رجعوا رضي الله عنهم أجمعين. فلو أن إنسان طلب شركًا ثم نُبِّهَ فرجع لا يكفر، لكنه لو نُبِّهَ وأصرَّ على الفعل أو مرَّ من القول إلى الفعل، فهذا يكفر.

​لكن الشاهد في هذه القصة أن التبرك لا يكون إلا بما شرعه الله وشرعه رسوله صلى الله عليه وسلم. مثلًا: التبرك بذات النبي صلى الله عليه وسلم، كما كان الصحابة يتبركون بعرقه وبريقه وبجسده وبشعره، فإن جسده عليه الصلاة والسلام مبارك في ذاته، وبركة الأنبياء بركة ذاتية في أجسادهم.

​أما الصالحون فعندهم بركة لكنها بركة الأفعال. فمن قال: “أريد أن أتبرك بالصحابة” يُقال: إن كنت تقصد بالتبرك الاقتداء بحُسن فعلهم والاقتداء بسَمْتِهِم وهديهم ودينهم فهذا تبرك مشروع؛ لأن هذا تبرك في الفعل. أما إذا كنت تقصد التبرك بأجسادهم فهذا لا يجوز وهو من الشرك، وقد أجمع الصحابة على تركه؛ لأن لو أن إنسان قال: “أنا أتبرك بالعالم الفلاني أو بالشيخ الفلاني” يُقال: أعظم ولي من أولياء الله بعد الأنبياء هو أبو بكر رضي الله عنه، ومع هذا أجمع الصحابة على عدم فعل ذلك مع أبي بكر. فإذا لم يُفعل هذا مع أبي بكر فدلَّ على أنه لا يُفعل مع أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا لا يُفعل إلا مع الأنبياء.

​وباب التبرك فيه تفاصيل معروفة. لكن يقول ابن سعدي رحمه الله في القول السديد: “فإن العلماء اتفقوا على أنه لا يُشرع التبرك بشيء من الأشجار والأحجار والبُقَع والمشاهد وغيرها”. ثم ذكر أن استلام الحجر الأسود لا نفعله من أجل التبرك، لكن نفعله عبودية واقتداء برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال عمر: “إني أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقبِّلك أو يستلمك ففعلت”.

​إذًا، مدار الأمر على الاقتداء والعبودية لا على التبركات البدعية والشركية. إذًا، ينبغي للمسلم أن يُفرِّق وأن يكون له فُرقان بين التبرك الممنوع والتبرك المشروع. وهذا كما قلت موجود في شروح كتاب التوحيد المُطوَّلة، تفاصيل كثيرة في هذا الباب، من أراد أن ينظرها فليرجع إليها.

باب ما جاء في الذبح لغير الله

​ثم قال الباب الذي بعده: باب ما جاء في الذبح لغير الله.

​والذبح هو إراقة الدم تقرُّبًا إلى الله جل وعلا. هذا الذبح التعبُّدي.

​قال: وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.

​الشاهد هنا قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي لِلَّهِ﴾. “النُّسُك” الذبح. فهنا قال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي لِلَّهِ﴾ استحقاقًا. يعني: هاتان العبادتان لا تكونان إلا لله جل وعلا. قال: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ملكًا، ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾. فكما أن الله جل وعلا يملك المحيا والممات، فكذلك ينبغي أن تُصرف له كل العبادات. فالربوبية دليل للإلهية. فمن أيقن أن الله يملك حياته ويملك مماته، فيجب عليه واجبًا عينيًا أن لا يصرف عبادة لغير الله جل وعلا؛ لأن العبادة استحقاق له ومِلك. ومن صرف شيئًا من العبادة لغير الله فقد ارتكب شركًا أكبر.

​قال: وقوله يعني تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. الشاهد قوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ أي: اذبح. ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أيضًا لربك. فالنحر عبادة لا يكون إلا لله جل وعلا. فمن ذبح لغير الله فقد أشرك شركًا أكبر ناقلًا عن ملة الإسلام. والمقصود به هنا الذبح التعبُّدي.

​فلو أن إنسان دخل عليه ضيف فذبح له شاة ليُكرمه، فهذا لا يدخل في هذه الصورة، بل هذا مطلوب، حتى استحبه بعض أهل العلم استدلالًا بقصة إبراهيم عليه السلام: ﴿فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي: مشوي. فجاء يعني بعجل سمين ومشوي. فهذا لا إشكال فيه. هذا هو الذبح التعبُّدي. أما الذبح الآخر فهو ذبح للأكل أو للضيافة، فهذا لا يدخل في هذا الأمر.

​والذبح الشركي كالذين يذهبون إلى القبور ويذبحون عندها.

​ثم قال: وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: “حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: “لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ”.

“اللعن” هو الطرد والإبعاد. فـ “لعن الله من ذبح لغير الله” أي: أبعد الله من رحمته من ذبح لغيره؛ لأن من ذبح لغير الله ارتكب شركًا أكبر، فانتقل من ملة التوحيد إلى ملة الكفر والشرك عياذًا بالله، وهو الشاهد من هذا الحديث.

​ثم قال: “وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ”. فمن لعن والديه لعنه الله.

​و**”لَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا”. و“المُحدِث”** هو المُجرم، وقد يدخل فيه المُبتدِع. فمن آوى مُحدِثًا إما من حيث الابتداع أم من حيث الإجرام والظلم وكذا وهو يتستر عليه، فهذا ملعون؛ لأنه حال بينه وبين العدالة. ولا شك أن أهل الباطل لا ينبغي الدفاع عنهم، بل ينبغي فضحهم وبيان باطلهم حتى يحذر الناس منهم وحتى يلقوا جزاءهم.

​ثم قال: “وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ” يعني: الذي يُغير في حدود الأرض حتى أنه يزيد في أرضه ويُنقص من الأرض للغير، فهو يغش. فمن كان هذا حاله فهذا ملعون أي: مُبعَد من رحمة الله.

ولا يعني في اللعن أن من لُعِنَ فهو كافر أبدًا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لَعَنَ اللَّهُ النَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ”، وهذا ذنب وكبيرة بالاتفاق. فاللعن قد يكون لعنًا إبعادًا بالإبعاد الكلي، وقد يكون دون ذلك. فمثلًا في هذا الحديث: “لعن الله من ذبح لغير الله” هذا إبعاد كلي. أما “من لعن والديه” و “من آوى محدثًا” و “من غيَّر منار الأرض”، فهذه الذنوب من كبائر الذنوب، يُعذَّب عنها العبد إن شاء الله جل وعلا، وإن شاء غفر، ثم مصيره إلى الجنة.

​ثم ذكر رواه مسلم، ثم قال: “وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “دَخَلَ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ، وَدَخَلَ النَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ”. قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: “مَرَّ رَجُلَانِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ لَا يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شَيْئًا. فَقَالُوا لِأَحَدِهِمَا: قَرِّبْ. قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ أُقَرِّبُ. فَقَالُوا لَهُ: قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا. فَقَرَّبَ ذُبَابًا، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَدَخَلَ النَّارَ. وَقَالُوا لِلْآخَرِ: قَرِّبْ. قَالَ: مَا كُنْتُ لِأُقَرِّبَ لِأَحَدٍ شَيْئًا دُونَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَدَخَلَ الْجَنَّةَ” رَوَاهُ أَحْمَدُ”.

​وهذا الحديث رجَّح بعض أهل العلم أنه موقوف عن سلمان الفارسي، وليس مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

​الشاهد من هذه القصة أنه كما أن الذبح لغير الله جل وعلا من بهيمة الأنعام وغيرها شرك، فالشاهد من هذا الحديث أن حتى من قرَّب ذبابة لغير الله جل وعلا على سبيل القُربة والتعَبُّد، فإنه ارتكب شركًا أكبر، ولو مات دخل النار. ومرَّ معنا في باب الخوف من الشرك: “مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ”. والرجل الآخر قال: “مَا كُنْتُ لِأُقَرِّبَ لِأَحَدٍ شَيْئًا دُونَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ”، فضربوا عنقه فدخل الجنة.

​إذًا، الشاهد من هذه القصة أن العبد ينبغي له أن يجعل الذبح والتقرُّب خالصًا لوجه الله جل وعلا. ومن جعل شيئًا من هذه العبادة لغير الله على وجه التعبُّد، فإنه قد ارتكب شركًا أكبر ناقلًا عن ملة الإسلام.

باب لَا يُذْبَحُ لِلَّهِ بِمَكَانٍ يُذْبَحُ فِيهِ لِغَيْرِ اللَّهِ

​قال الباب الذي بعده: باب لَا يُذْبَحُ لِلَّهِ بِمَكَانٍ يُذْبَحُ فِيهِ لِغَيْرِ اللَّهِ.

​وقول الله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾.

​بعد أن ذكر المصنف رحمه الله تعالى أنه لا يجوز الذبح لغير الله، ذكر أنه كما لا يجوز موافقة المشركين في الباطن، فكذلك لا يجوز موافقة المشركين في الظاهر. فلو أن إنسان أتى لمكان فيه الشرك وفيه يتقرب المشركون لآلهتهم، يقول: “أنا أذبح لله”. يُقال له: “نعم، أعلم أنك قد خالفتهم في الباطن، لكن ينبغي لك أيضًا أن تُخالفهم في الظاهر، فالذي يراك من الخارج يقول: ربما أنت منهم”. ولهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تُذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله.

​قال: وقول الله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾. هذه الآية نزلت في مسجد الضرار الذي أنشأه المنافقون ليضرُّوا وليحاربوا به الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأمر الله جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام، وأمته تَبَعٌ له، قال: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾. ومعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى في ذلك المسجد إنما يصلي لله وإنما يدعو الله وحده، لكن نهاه الله جل وعلا لأن في هذا تكثيرًا لسواد هؤلاء المنافقين، وأن في هذا موافقة لهم في مكان من أمكنة تعبُّدهم وهو مسجد الضرار. ثم حرقه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو مسجد أنشأه المنافقون وأنشأه أبو عامر الراهب، وسمَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو عامر الفاسق. فالله جل وعلا قال: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ ناهيًا للتأبيد؛ لأنه مسجد من مساجد النفاق.

وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: “نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ”. “بُوَانة” مكان معروف عند مكة. قال: “فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: “هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟” يعني: مكان يأتونه ويعودون إليه بين الحين والآخر. قالوا: “لَا”. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ” رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِهِمَا”.

​إذًا، الشاهد هنا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هنا استفصل. وإذا استفصل عليه الصلاة والسلام فدلَّ على أنه فيه بعض الأمور لا تجوز، ومن هذا أن تُوافق المشركين في عباداتهم. فلو أراد إنسان أن يذبح فيُقال له: “إياك أن تذبح في مكان يُذبح فيه لغير الله” فإنك يُخشى أن تُوافق المشركين ولو في الصورة الظاهرة.

​فلو قال إنسان: “لماذا صلى الصحابة رضي الله عنهم في الكنائس؟” ومعلوم أن الصلاة في الكنيسة جائزة إذا كان الإنسان مُبتعدًا عن الصور وصلى في مكان طاهر. فالعلماء قالوا: إن صلاة المسلمين وصلاة النصارى تختلف في الصورة الظاهرة. فإذا اختلفت الصورة الظاهرة فلا يضر أن يصلي الإنسان بمكان يُصلَّى فيه لغير الله كالكنيسة وغير ذلك. لكن هذا المقصود به عند الضرورة. أما الذبح صورته الظاهرة فيها توافق بين صورة المؤمنين وصورة الموحدين، ولهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر وعن مشابهة المشركين في الظاهر.

​وهذا يبيِّن لك أمرًا عظيمًا وأن هذه الشريعة جاءت لحماية التوحيد، وجاءت بالبُعد عن الشرك، وجاءت بسَدِّ كل طريق قد يؤدي إلى الشرك ولو في الصورة الظاهرة. وهذا سيأتي معنا في مزيد أبواب هذا الكتاب.

باب من الشرك النذر لغير الله

​ثم قال الباب الذي بعده: باب من الشرك النذر لغير الله.

​وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾.

“النذر” هو أن يلتزم العبد أو أن يُلزِم نفسه بعبادة لم يُلزِمه الشارع بها. يلتزم عبادة هو بنفسه.

​والنذر نوعان: نذر مُطلق و نذر مُقيَّد.

  1. النذر المُطلق: هو أن يقول العبد: “لله عليَّ أن أصوم ثلاثة أيام” هكذا، نذر هذا النذر.
  2. النذر المُقيَّد: هو أن يقول: “إن شفى الله مريضي أو إن نجح ولدي أو إن تحصلت على وظيفة” أو إلى غير ذلك، يقول: “إن فعل الله بي كذا فسوف أحُجُّ أو فسوف أعتمر أو فسوف أتصدق أو سأصوم” إلى غير ذلك. فهنا جعل شرطًا، وهذا ما يُسمى النذر المُقيَّد.

​وهذا النذر مكروه غير محمود، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذا النذر الثاني المُقيَّد: “إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ”. إلا البخيل الذي يفعل الأشياء باشتراط. ولهذا لا ينبغي للعبد أن كل ما أراد شيئًا يُلزِم نفسه بنذر، بل الأَوْلى أن لا يُلزِم نفسه بهذا الأمر حتى لا يضطر أن يُكفِّر عن يمينه وحتى لا يضطر أن يحنث؛ لأن النذر التزام وقد يأتيك عارض ولا تلتزم بذلك النذر. ولهذا لا ينبغي للعبد أن يُلزِم نفسه بأشياء قد يشُق بها على نفسه.

​إذًا، قال: باب من الشرك النذر لغير الله.

النذر عبادة. الدليل ما ذكر المصنف هنا من قول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾. فالله جل وعلا أثنى على الذين يوفون بالنذر، وفي آية البقرة قال: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾. فهنا أثنى عليه. فإذا أثنى الله على شيء دلَّ على أنه يُحبه. وإذا أحبه الله فهو عبادة؛ لأن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. فإذا دخل في العبادة دلَّ على أن صرفه لغير الله شرك أكبر.

​فمن نذر لغير الله كأن ينذر للولي يقول: “يا ولي، إن شفيت مريضي سأصوم لك أو سأتصدق لك”، أو: “إن شفى الله مريضي سأذبح لهذا الولي”، فيكون فيه شرك وتعلُّق بغير الله، فهذا شرك أكبر.

​إذًا، المصنف أورد الآية الأولى والثانية ليبين أن هذا من العبادة، ثم ذكر أنه ينبغي الوفاء بالنذر، لكن هناك تفصيل.

​قال: “وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ”.

​الشاهد من الحديث أن نذر الطاعة، أو معنى الحديث أن نذر الطاعة يُلتزَم به. فلو أن إنسان قال: “لله عليَّ أن أعتمر بعمرة”، فهذا يُلتزَم به. أما إن قال إنسان: “إن شفى الله مريضي لأشتريَنَّ الخمر وأشرب الخمر أمام الناس” مثلًا، فهذا لا يجوز له أن يَفي بذلك النذر؛ لأنه نذر معصية. لكن الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يجب عليه أن يُكفِّر عن اليمين. فالنذر تحقَّق لكن لا يجب الوفاء به، فيبقى حق الله جل وعلا وهو بأنه التزم بشيء أمام الله، فينبغي له أن يُكفِّر عن يمينه ولا يفعل تلك المعصية.

​وبهذا تعلم أن:

  • النذر إذا كان نذر طاعة وهو لله، فينبغي فِعله.
  • إذا كان نذر معصية وهو لله، فلا ينبغي فِعله وينبغي لك أن تُكفِّر عن يمينك.
  • فإذا كان النذر لغير الله فهو شرك أكبر ولا ينعقد أصلًا.

​ونكتفي بهذا القدر، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *