الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
إذًا، وصلنا في شرح كتاب التوحيد إلى:
باب من الشرك الاستعاذة بغير الله
والاستعاذة هي طلب العَوْذ، وعكسها اللِّياذ وهو طلب اللِّياذ.
- العَوْذ هو الهروب والاعتصام خوفًا من الشر.
- أما اللِّياذ فهو الهروب والاعتصام طلبًا للخير.
فأقول: أعوذ بالله من شر كذا، وألوذ بالله طلبًا لخير كذا.
إذًا هنا، الاستعاذة بالله هي الاعتصام والالتجاء إلى الله جل وعلا لدفع شر.
وقوله: باب من الشرك الاستعاذة بغير الله، هنا من الشرك أي من الشرك الأكبر. فالاستعاذة بغير الله شرك أكبر؛ لأن الاستعاذة عبادة. قال جل وعلا: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. “أعوذ” أي: أَلجأ وأعتصم بالله. فإذا أثنى الله على أمر دل على أنه يحبه، وإذا أمر به دل على أنه يحبه، وإذا أحبه الله فهو عبادة. فإذا استقر عندنا أنه عبادة، فصرفه لغير الله شرك.
أدلة تحريم الاستعاذة بغير الله
قال المصنف: وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾.
كان الجاهليون إذا وصلوا إلى مكان وإذا حلُّوا بِمكان معين، قالوا: “نعوذ بعظيم هذا الوادي من سُفهاء قومه”. فكانوا يستعيذون بالجن لا بالله ليدفع عنهم الجن شرَّ ذلك المكان من الجن الآخرين وغيرها من الشرور.
قال جل وعلا: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. وهذه الآية تفسيرها من جهتين:
- الجهة الأولى (عودة الضمير للإنس): أن يكون الضمير عائدًا على الإنس، أي: الذين ازدادوا في الرهق هم الإنس. فيكون أن استعاذة الإنس بالجن زادت الإنس رهقًا، والمقصود به هنا الخوف والفزع. فعاقبهم الله جل وعلا هنا بـ نقيض قصدهم. فهم إنما التجأوا واعتصموا بالجن ليأمنوا، فزادهم ذلك خوفًا على خوف. وهذا مصير كل من لم يعتصم بالله جل وعلا. ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. مفهوم المخالفة: أن من لم يعتصم بالله جل وعلا ضل الطريق وعوقب بنقيض قصده.
- الجهة الثانية (عودة الضمير للجن): وقد يعود الضمير هنا إلى الجن، فيكون: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي: فزاد الإنس الجن رهقًا، ويكون معناه: زادوهم استكبارًا وطغيانًا؛ لأنهم عبدوهم وأغروا بهم.
إذًا، الآية تُحمَل على معنيين، والمعنيان صحيحان. ومن المعلوم في قواعد التفسير أن اللفظ إذا كان يحتمل أكثر من معنى فينبغي أن يُحمل عليهما؛ لأن حمله على معنى دون آخر ولا تناقض بينهما نوع من التحكُّم في النص. إذًا هنا، تُحمَل على المعنى الأول وعلى المعنى الثاني. فيكون أن هنا الإنس اعتصموا بالجن، فزاد الجن الإنس خوفًا على خوف، والإنس زادوا الجن طغيانًا واستكبارًا لأنهم عبدوهم. وبهذا تكون مناسبة الآية ظاهرة؛ لأن من لم يستعذ بالله ومن لم يعتصم بالله ومن لم يلتجئ بالله جل وعلا وإلى الله، إنما يزداد خوفه ولا يأمن.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال: “مَنْ عَلَّقَ شَيْئًا فَقَدْ وُكِلَ إِلَيْهِ”. ومن وُكِلَ إلى غير الله جل وعلا هلك. ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: “وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ”.
البديل الشرعي للاستعاذة (التوحيد)
قال بعدها: عن خولة بنت حكيم رضي الله عنها قالت: “سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا، فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ”. رَوَاهُ مُسْلِمٌ”.
فهنا بيان البديل وهو أن لا ينبغي لك أن تستعيذ بغير الله، بل ينبغي لك أن تستعيذ بالله وبأسمائه وصفاته، ومنه الاستعاذة بـ كلمات الله التامات التي لا يُجاوزهُنَّ بَرٌّ ولا فاجر. وكلمات الله جل وعلا المقصود بها هنا كلماته الكونية التي ليست مخلوقة، بل هي صفة من صفات الله جل وعلا. فمن تعوَّذ بكلمات الله جل وعلا لم يضره شيء.
فالشيخ هنا رحمه الله تعالى بيَّن الشرك، وبيَّن التوحيد وهو التعوذ بالله وبأسمائه وبصفاته.
شروط الاستعاذة بالمخلوق
أما الاستعاذة بالمخلوق فهي شرك إذا كانت استعاذة به فيما لا يقدر عليه إلا الله أو استعاذة بميت أو استعاذة بغائب.
ولهذا يجوز لك أن تستعيذ بالإنسان، لكن يكون هذا بـ ثلاثة شروط:
- أن يكون هذا المستعاذ به حيًّا. (خرج به الميت).
- أن يكون حاضرًا. (خرج به الغائب).
- أن يكون قادرًا. (خرج به الاستعاذة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله).
باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره
الباب الذي بعده قال: باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره.
إذًا، هنا الشيخ فرَّق بين الاستغاثة وبين الدعاء. وهنا من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الاستغاثة دعاء، فكل استغاثة دعاء وليست كل دعاء استغاثة. فإن الاستغاثة هي الدعاء عند الشدائد.
والاستغاثة بغير الله جل وعلا شرك، والمقصود هنا شرك أكبر؛ بأن هذه الأمور عبادات ولا ينبغي لها أن تُصرف إلا لله. فإذا صُرفت لغير الله جل وعلا فينبغي أن تكون بشروط: فلا يجوز لك أن تستغيث بالمخلوق إلا إن كان حيًّا، حاضرًا، وقادرًا.
قال جل وعلا: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾. وقال جل وعلا: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾. فيجوز لك أن تستغيث بالمخلوق فيما يقدر عليه، وإذا كان حيًّا، وإذا كان حاضرًا.
أدلة تحريم الاستغاثة والدعاء لغير الله
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: وقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ * وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾.
قوله جل وعلا: ﴿وَلَا تَدْعُ﴾ نهي عن دعاء غير الله جل وعلا. والدعاء إذا أُطلق في النصوص الشرعية يكون دعاء مسألة ويكون دعاء عبادة.
- ﴿مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾: بيان بأن النافع والضار حقيقة هو الله جل وعلا.
- ﴿فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾: أي من المشركين الكافرين. قال جل وعلا: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. وأعظم ذنب وأعظم ظلم هو الشرك. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
- ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾: فلا يكشف الضر والسوء والبلوى إلا هو جل وعلا.
ومناسبة الآية للترجمة ظاهرة؛ لأنه لا ينبغي التمسُّك والاستغاثة والدعاء والاعتصام إلا بالله جل وعلا؛ لأنه النافع والضار استقلالًا، والمخلوق ضعيف لا يقدر على شيء إلا فيما أقدره الله عليه.
قال بعدها: وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾. وهنا قدَّم المعمول، وهذا يفيد الحصر والقصر، أي: فابتغوا الرزق عند الله ولا تبتغوه عند غيره.
والآية التي بعدها قال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ لا أحد أضل ممن يدعو من دون الله، أيًّا كان هذا المدعو: ملكًا مقربًا أو نبيًّا مرسلًا. ﴿مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
بقية الآية: ﴿وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾. إذًا، الله جل وعلا هنا ذكر أمورًا:
- ﴿مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: فهم أولًا لا يستجيبون.
- ﴿وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾: الأمر الثاني أنهم غافلون.
- ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾: فهم يتبرؤون منهم. قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾.
- ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾: فهم يتبرؤون منهم ويكفرون يوم القيامة بشركهم.
وقوله: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾. بقية الآية: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ أي: أَمَعبود مع الله جل وعلا تتخذونه وأنتم تعلمون أن هذه المعبودات لا تَنصر ولا تُنصر ولا تَخلق ولا تَنفع ولا تَضر، إنما هي مُعبَّدة مُذلَّلة لله جل وعلا؟ فالذي ينبغي أن تُصرف له العبادة وحده لا شريك له هو القادر على كل شيء، هو النافع والضار حقيقة، وهو الله سبحانه وتعالى. ولهذا تُعرِّف الشرك بأنه صرف وجعل حق الله جل وعلا لغيره أيًّا كان هذا المجعول له الحق.
قصة الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم
ثم قال: وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَافِقٌ يُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ، جاء التصريح به في بعض الروايات بأنه عبد الله بن أبي بن سَلُول. فَقَالَ بَعْضُهُمْ، وجاء في بعض الروايات بأن القائل هنا هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه: “قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، إِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاللَّهِ”.
إذًا، هنا الصحابة آذاهم ذلك المنافق، فذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له: “يا رسول الله، نستغيث بك”. والنبي صلى الله عليه وسلم من المعلوم أنه إذا كان المقصود مجرد الفعل فهو قادر على أن يقتل ذلك المنافق وعلى أن يكف شره. لكن مع هذا، النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمح لهم بذلك اللفظ، بل قال له عليه الصلاة والسلام: “إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، إِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاللَّهِ”.
قول النبي صلى الله عليه وسلم هنا حمله بعض أهل العلم على معنيين:
- المعنى الأول (العجز الشرعي): أنه لا يستطيع قتله لامتناعه من قتل المنافقين حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه. ولهذا قال لهم: “إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، إِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاللَّهِ”.
- المعنى الثاني (سد الذريعة والتعليم): أن النبي صلى الله عليه وسلم قادر وهذا لا شك فيه، ولكنه عليه الصلاة والسلام نهاهم عن هذا اللفظ تأدُّبًا مع الله وأنه لا ينبغي أن يُستعمل هذا اللفظ سدًّا للذريعة. فإنه يخشى عليه الصلاة والسلام لو أنه أقرَّهم على هذا اللفظ لطلبوا منه أمورًا لا يقدر عليها إلا الله. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم تعليمًا وتوجيهًا: “إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، إِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاللَّهِ”.
وهذا الحديث ضعَّفه بعض أهل العلم؛ لأن في سنده ابن لَهِيعة. وقد ردَّ على هذه الفِرية وردَّ عليها بكلام عظيم متين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رده على البكري المسمى “الاستغاثة الكبرى”. وبيَّن شيخ الإسلام أن أهل السنة إنما يستدلون به للاعتضاد لا للاعتماد.
وقال مما قال رحمه الله تعالى في معرض كلامه هنا في هذا المقام: “ولو لم يكن الكلام صحيحًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الشريعة جاءت ببيان بأن الاستغاثة عبادة ولا تكون إلا لله، وإنما تكون لغيره بشروطها”. وإنما ذكر أهل العلم هذا الحديث وإن كان فيه ضعف للاعتضاد لا للاعتماد. وهذا منهج سلفي معروف. ولهذا من تأمل كتب الاعتقاد قد يجد فيها بعض الأحاديث الضعيفة وبعض الآثار، حتى يحكون المنامات ويحكون حتى عن بعض الحيوانات في كتاب العلو وغيرها. لكن هل المقصود هنا إثبات السند؟ لا. المقصود بيان أن السلف رووا هذه الآثار وما استغربوا منها، وأنها لا تكون أصلًا في الباب لكنها تكون من باب الاعتضاد لا من باب الاعتماد.
باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾
الباب الذي بعده قال: باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾.
إذًا، هنا أراد المصنف رحمه الله تعالى بهذا الباب بيان إبطال عبادة غير الله جل وعلا، ومن دلائل التوحيد الاستدلال بالربوبية على الألوهية والعبادة. فإذا تبين واستقر بأن كل من عُبِد سوى الله جل وعلا لا يستطيع نفعًا ولا ضرًّا، فإنك تعلم بأن المستحق للعبادة هو الله وحده لا شريك له في عبادته، كما أنه لا شريك له في ملكه.
فقال جل وعلا:
- ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾: إذًا، أول الأمر لا يَخلقون.
- ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾: ثانياً، هم أنفسهم مخلوقون مربوبون ذليلون لله جل وعلا.
- ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾: الأمر الثالث، لا يَنصرون غيرهم.
- ﴿وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾: والرابع، لا يَنصرون أنفسهم.
فلا هم نصروا أنفسهم ولا هم نصروا غيرهم. فكيف لِعاقل أن يعبد من كان هذا حاله؟
قال: وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾. و**”القِطْمِير”** هو الخيط الذي يكون في التمر. فهم لا يملكون تمرة لا، بل لا يملكون قِطمير التمر وهو أقل من ذلك. وهذا من ضرب الأمثال وهو من بلاغة القرآن العظيم في بيان بطلان عبادة غير الله جل وعلا، وأن هذه الآلهة لا تستطيع شيئًا بإقرار المشركين. فكيف لِعاقل بعد أن علم ضعفها وعدم قدرتها أن يعبدها وأن يصرف لها حق الله الأعظم وهو عبادته؟ ولكن الله جل وعلا طبع على قلوب الذين يشركون.
والآية: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾. هذا الأول، يعني: إذا دعوتموهم لن يسمعوا دعاءكم. ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾.
ومن تأمل كتاب الله جل وعلا وجد دلائل واضحات على أن هذا التوحيد هو أعظم أمر أمر الله به، وأن الشرك أعظم نهي نهى الله جل وعلا عنه. ولهذا قال ابن القيم في مدارج السالكين بأن القرآن من أوله إلى آخره إنما هو تقرير للتوحيد.
حادثة أحد ودلالة قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾
قال المصنف: “وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: شُجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، فَقَالَ: “كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟” فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾”.
“وَفِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنَ الْفَجْرِ: “اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا” بَعْدَمَا يَقُولُ: “سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ”. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. وَفِي رِوَايَةٍ: يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾”.
إذًا، هذه الروايات كلها تبين سبب نزول هذه الآية وفيما نزلت. وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما كُسرت أسنانه وشُج رأسه قال تلك الكلمة: “كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟” فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: ليس شيء من الأمر تملكه.
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أعظم الناس زُلفَى وأعظم الناس منزلة وقُربًا عند الله جل وعلا، لم يستطع دفع الضر عن نفسه ولا عن أصحابه بسبب ذنب واحد وقع فيه الصحابة رضي الله عنهم في غزوة أحد، فأصابهم ما أصابهم، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: ليس شيء من الأمر تملكه.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو على أولئك القوم، وهؤلاء الذين دعا عليهم: صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام، كلهم قد أسلموا رضي الله عنهم أجمعين. ولم يقبل الله جل وعلا لَعْنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا دعاءه عليهم، بل الله جل وعلا هنا لم يستجب ذلك الدعاء وقال له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: ليس شيء من الأمر تملكه. وهذا لِحكمة الله جل وعلا ولِعلم الله جل وعلا بأن هؤلاء الثلاثة سيدخلون في الإسلام وسيحسن إسلامهم فرضي الله عنهم أجمعين.
الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أعظم الخلق عند الله منزلة وقُربة، لا يستطيع جلب خير ولا دفع ضر؛ لأنه عبد لا يُعبَد كما أنه رسول لا يُكذَّب عليه الصلاة والسلام.
وهذا فيه أعظم برهان للذين يصرفون العبادات ويقولون: “هو عند الله مقرب”. يُقال: ولو كان عند الله مُقرَّبًا فقد أمرك أن لا تعبد إلا الله جل وعلا. فإن كنت تحبه فعليك أن تقتدي به، وأعظم أمر يُقتدى به برسول الله صلى الله عليه وسلم هو التوحيد، وأعظم نهي يُنتهى عنه.
حين أُنزل عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قال: “يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ -أو كلمة نحوها- اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا”.
وهذا فيه بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يُغني عن أحد شيئًا ولو كان هذا الأحد عمته أو عمه أو عشيرته أو أحب الناس إليه من ذريته وهي فاطمة عليها السلام رضي الله عنها وأرضاها، وهي أحب الناس إليه وهي من أحب الناس إليه وكان يحبها وهي من أعظم الناس منزلة عند الله وهي من أفضل نساء العالمين، ومع هذا قال لها عليه الصلاة والسلام: “يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ”، فإن المال يُعطيه. لكن غير ذلك لا يستطيع. فقال: “لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا”. ليست المسألة مسألة مال، أما إذا جاء أمر الله فلا يُغني منه شيء؛ لأن الله هو المتصرف في هذا الكون. فينبغي لمن أيقن بهذا الأمر أن لا يصرف العبادة إلا لله وحده، فإنه الذي يملكها وهي حقه سبحانه وتعالى.
باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾
والباب الذي بعده هو مثل هذا الباب، يعني: كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يملك لك شيئًا، فكذلك الملائكة لا تملك شيئًا. ولذلك قال في الباب الذي بعده: باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
هذا الباب عقده المصنف رحمه الله تعالى ليبين أن الملائكة، وهي من هي مكانة عند الله ومنزلة، لا تملك لا نفعًا للناس لا نفع ولا ضر إلا أن يشاء الله أمر وإلا إذا أمرهم الله جل وعلا بأمر، وإلا استقلالًا لا يستطيع أحد شيئًا إلا بتوفيق الله جل وعلا وبأمره له.
والملائكة في هذه الأحاديث التي سنقرأها يظهر لك خضوعها وخشوعها عند الله جل وعلا، وكيف تُعظِّم ربها، وأن الذين يصرفون العبادة للملائكة إنما هم يصرفون العبادة لـ مخلوقات، وإن بلغت ما بلغت في المكانة والقُربة عند الله والقوة، فإنها مخلوقات. وإن الذي ينبغي أن يُعبَد هو الله جل وعلا الذي خلق الأرض والسماوات العلا، ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾.
“وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، يُنْفِذُهُمْ ذَلِكَ”. حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾”.
فهي خاضعة خاشعة لله جل وعلا. “كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ” يعني: صوتها كالسلسلة إذا جُرَّت على الحجر الأملس. ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ وانتهى عنهم ذلك الخوف والرَّوْع، قالوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
إذًا، يذكر بعضهم لبعض ماذا قال الله جل وعلا. فهنا يسمعها مسترق السمع، وهم الجن الذين يركب بعضهم فوق بعض حتى يصل إلى السماء الدنيا ليسرقوا الأخبار. قال: “فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ. وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ”. وصفه سفيان بكَفِّه فحرفها وبَدَّدَ بين أصابعه، يعني: يركب بعضهم على بعض. قال: “فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَاهِنِ. فَرُبَّمَا أَدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ. فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ. فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا؟ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ” أو فيُصدَّق بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء.
إذًا هنا ذكر خضوع الملائكة لله جل وعلا، ثم ذكر بعده استراق الجن للسماء. وهذا كان كثيرًا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم انقطع أيام البعثة، ثم عاد بعدها موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه بطريقة أقل بكثير مما كانت عليه. قال جل وعلا: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾. والله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ﴾. فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدًا. فالشُّهُب ترمي الشياطين حتى تردعهم عن ذلك الأمر. وهم يأتون بصدق واحد ويكذب معه الكاهن مائة كذبة، فالناس يصدقون. فالكُهَّان يصدقون مرة ويكذبون مائة مرة.
“وَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُوحِيَ بِالْأَمْرِ، تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ، أَخَذَتِ السَّمَاوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ -أَوْ قَالَ: رَعْدَةٌ- شَدِيدَةٌ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ صَعِقُوا وَخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا. فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ، فَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ. ثُمَّ يَمُرُّ جِبْرِيلُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَهُ مَلَائِكَتُهَا: مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَيَقُولُ: قَالَ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ. فَيَقُولُونَ كُلُّهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ جِبْرِيلُ. فَيَنْتَهِي جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ”.
الشاهد من هذا أن الملائكة وأن السماوات وأن كل المخلوقات تخشع وتخضع لله جل وعلا. وانظر جبريل الذي هو أعظم الملائكة والذي وصفه الله جل وعلا بأنه ﴿ذِي مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ﴾ وأنه شديد القوة، قال: “يَسْجُدُونَ وَيَصْعَقُونَ” وأول من يرفع هو جبريل. فالكل يخر ويسجد ويصعق لماذا؟ لِعِظَمِ كلام الله جل وعلا. ولهذا ينبغي للعبد أن يعلم قدر ربه، وأن العبد كلما كان بالله أعرف كلما كان لله أتقى وأخشى وأخوف. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. وأعظم أمر تُعظِّم به ربك هو التوحيد، وأعظم ذنب عُصِيَ الله جل وعلا به هو الشرك.
وبهذا تفهم مناسبة هذا الباب وما قبله لكتاب التوحيد.
نكتفي بهذا القدر، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.