الدرس 7 من شرح مختصر لكتاب التوحيد (عبر الهاتف 1433هـ) – الصغير بن عمار

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

​توقفنا في الدرس الماضي، وأنهينا باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين. ومر معنا أن أصل الشرك إنما جاء من تعظيم الصالحين تعظيمًا يؤدي إلى الغلو.

​وأصل الشرك نوعان:

  1. الشرك الأول: شرك الفتنة بالصور، وهو شرك قوم نوح، فإنهم افتتنوا بالتمثيل والصور، وهي صور الصالحين.
  2. الشرك الثاني: شرك قوم إبراهيم عليه السلام، وهو شرك الكواكب، فإنهم عبدوا الكواكب، ومن ثم تصوروا لها صورًا على الأرض.

​لكن أصل الشرك هذا (شرك قوم نوح وشرك قوم إبراهيم)، وقريش الذين بُعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان عندهم هذا وهذا، وإن كان يغلب عليهم الأول، يعني الشرك في عبادة الصالحين.

​والصالحون الناس فيهم على ثلاثة أقسام:

  • القسم الأول: قوم غَلَوْا، فهم الذين أحبوا الصالحين حتى صرفوا لهم حق الله وهو العبادة، فكفروا بذلك وخرجوا عن ملة الإسلام.
  • الطائفة الثانية: قوم جَفَوْا وفرَّطوا وضيَّعوا، حتى سبوا الصالحين وأبغضوهم، وهؤلاء قوم ارتكبوا أمرًا عظيمًا؛ لأن من عادى أولياء الله جل وعلا، عاداه الله وحاربه، ومن حاربه الله هلك.
  • القسم الثالث: هم الذين توسطوا، فأحبوا الصالحين في الله، ولكن هذا الحب على شرع الله، فلم يصل بهم حبهم إلى أن يعبدوا غير الله، وهذا هو الحق.

​ولهذا أهل الحق هدىً بين ضلالتين، وحق بين باطلين. يقول أبو سليمان الخطابي: “ولا تغلُ في شيءٍ من الأمر واقتصد، كلا طرفي قصدِ الأمور ذميم”. الغلو مذموم والجفاء مذموم، والتوسط هو الحق.

​🚫 باب ما جاء من التغليظ في من عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟

​وهذا أيضًا يبين فيه الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وسائل الشرك، وأن من وسائل الشرك الافتتان بالصالحين. وأيضًا من وسائل الشرك هو اتخاذ القبور مساجد.

​وعبادة الله عند القبور وسيلة إلى الشرك، فما بالك بمن عبد القبر نفسه؟ فالشريعة جاءت بالتغليظ في من عبد الله عند القبر، فما بالك بمن صرف العبادة إلى ذلك القبر؟ فلا شك أنه أشد وأعظم وأبعد كل البعد عن ملة التوحيد وعن دين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إذًا، مناسبة الباب ظاهرة في أن هذا ذكر من الشيخ رحمه الله تعالى لوسائل الشرك.

​ثم قال: في الصحيح عن عائشة أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة. أم سلمة هاجرت في أول الإسلام إلى الحبشة رضي الله عنها، فرأت وذكرت أنها رأت كنيسة وما فيها من الصور (يعني التمثيل)، فقال عليه الصلاة والسلام لما ذكرت له ذلك: “أولئك إن مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله.” ثم قال: “فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل” (أخرجاه).

​إذًا، أم سلمة رضي الله عنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الأمر. الشاهد من الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أولئك شرار الخلق عند الله”. هؤلاء شر ناس، وهم الذين إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا له تلك الصور (يعني التمثيل)، ثم عبدوا ذلك القبر. فهؤلاء هم شرار الخلق، وهذا مناسبته للباب ظاهر في أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن هؤلاء شرار الخلق، وهم إنما قاموا بوسيلة للشرك، وإن كان النصارى عندهم أصل هذا الشرك والشرك.

​قال بعدها: “فجمعوا بين الفتنتين”: افتتانهم بالقبور، وافتتانهم بالتمثيل. فهم بهذا الأمر تسببوا في فتنة من جهة عبادة القبور ومن جهة عبادة والفتنة بتلك التمثيل والصور.

​والشيطان يأتي للإنسان الذي يعبد الله عند القبر، ويأتي للذي يعبد الله عند الصنم والصورة، فربما تكلم الشيطان على فم ذلك المعبود وذلك القبر، فيظن الجاهل المشرك بأن الذي خاطبه إنما هو الميت. والميت مات وانقلب إلى ربه، فإن كان في جنة فماذا يفعل بالدنيا؟ وإن كان في نار فمن الذي ينجيه منها؟ ولهذا الشيطان يفتن بني آدم. وإنما تكثر أحوال الشياطين إذا قل من يقوم بنور الوحي، فإذا كثر الجهل كثرت قوة الشيطان، وإذا كثر العلم والإيمان ضعف الشيطان. وعند القبور تكثر الشياطين لأن الذين يأتون هناك جهال.

​ثم قال: “ولهما (يعني في الصحيحين) عنها قالت: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم (يعني لما حضرته الوفاة) طفق يطرح خميصة (قطعة قماش) له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا. ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا” (أخرجاه).

​النبي صلى الله عليه وسلم وهو على فراش الموت، أعظم أمر همَّه هو التوحيد، وخاف أن هذه الأمة تفعل فعل اليهود والنصارى بتعظيم أنبيائهم حتى صُرف لهم العبادة من دون الله وحده لا شريك له. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هنا أمرًا عظيمًا قال: “لعنة الله على اليهود والنصارى”. واللعن هو الطرد من رحمة الله. فإذا لعن المسلم، مثلًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: “لعن الله النامصة والمتنمصة”، المقصود هنا لعنًا لا يُخرج العبد من الإسلام بالكلية. أما إذا لَعَنَ اليهود والنصارى فهو لعن لمن هو كافر خارج من ملة الإسلام، بل هو لم يدخلها أصلًا.

​ولهذا لا يأتي إنسان يقول: أي حديث فيه اللعن معناها الحكم بكفر من لعن؟ لا. لعن النبي صلى الله عليه وسلم شارب الخمر وبائعه، وهؤلاء بالاتفاق ليسوا كفارًا. فاللعن قد يكون دعاء بالطرد من رحمة الله بالكلية وهذا للكافر، وقد يكون دعاء عليه بالخروج من رحمة الله خروجًا لا يمنعه بعد حين من العودة إلى الجنة والدخول إلى الجنة، عفوًا. وهذا هو اللعن الذي ورد في المسلم الموحد.

​الحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم لعنهم لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. واتخاذ القبور مساجد يكون من جهتين:

  1. الجهة الأولى: إذا بُني المسجد على القبر.
  2. الجهة الثانية: إذا صُلّي عنده.

​فلو أن هناك مقبرة ويذهب إنسان عند صاحب قبر ويصلي عنده، فقد اتخذه مسجدًا وإن لم يُبنَ عليه. فاتخاذ القبر مسجدًا يكون من جهتين: الأولى بناء المسجد، والثانية الصلاة عنده.

​ثم قالت: “يحذر ما صنعوا”. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يحذر أن يُفعل به كما فُعل بغيره. قالت: “ولولا ذلك أبرز قبره”. يعني لولا ذلك التحذير لأُبرز قبره. والنبي صلى الله عليه وسلم ما أُبرز قبره بسببين:

  1. الأول: ما ذُكر هنا في حديث عائشة رضي الله عنها بأنها قالت: هو الذي حذر من ذلك.
  2. الأمر الثاني: ما ورد في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “نحن معاشر الأنبياء نُدفَن حيث مُتنا”. والنبي صلى الله عليه وسلم مات في حجرة عائشة رضي الله عنها فدُفن هناك، وبالتالي لم يُعظَّم قبره ولم يُرفع كما فُعل بغيره عليه الصلاة والسلام.

​قال: “ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا. ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك”.

​إذًا، هنا في هذا الحديث أمور:

  1. الأمر الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم حذّر من هذا قبل وفاته. فالنبي صلى الله عليه وسلم بدأ دعوته بالتوحيد وختمها بالتوحيد، وهذا هو الدين، التوحيد هو أصل الدين وأوله وآخره وأوسطه. كل الدين توحيد، وما بقي إنما هو مُتمِّم لذلك التوحيد والاستسلام لله جل وعلا.
  2. الأمر الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم هنا ذكر بأن الله اتخذه خليلًا، وأن خليلَه هو الله، وهو خليل الله، كما أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أيضًا خليل الله. والخلة هي أعلى درجات المحبة. قال الشاعر: “قد تخللتَ مسلك الروح مني وبذا سُمِّي الخليل خليلًا”. فالخلة أعظم درجات المحبة. ولذا بعض الناس يقول: “محمد حبيب الله”، هذا غلط، بل النبي صلى الله عليه وسلم خليل الله؛ لأن الخليل أعظم من الحبيب درجة في المحبة.
  3. الأمر الثالث: النبي صلى الله عليه وسلم ليس له من البشر خليل؛ لأن قلبه مُفرَّغ لله جل وعلا فنقاه من كل ما سوى الله جل وعلا. يحب أصحابه ويبجّلهم، ولو كان متخذًا خليلًا لكان أبو بكر أولى الناس بذلك الوصف. وهذا فيه بيان فضل أبي بكر، وهو أعظم الصحابة وهو خليفة رسوله صلى الله عليه وسلم بإجماع المسلمين.
  4. الأمر الرابع: ثم قال: “ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد”. يعني النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ما ذكر وذكر في الأحاديث الأخرى أن هذا فعل اليهود والنصارى: “ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك”. وهذا ظاهر الدلالة في بيان مقصود الترجمة.

​ثم قال بعدها: “فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن وهو في السياق من فعله”. ثم قال: “والصلاة عندها من ذلك وإن لم يُبنَ مسجد”. وهو معنى قولها: “خشية أن يتخذ مسجدًا”. فإن الصحابة لم يكونوا ليَبْنُوا حول قبره مسجدًا. وكل موضع قُصِدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا، بل كل موضع يُصلَّى فيه يسمى مسجدًا، كما قال صلى الله عليه وسلم: “جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا”. وهذا الكلام ذكرته لكم في أول الدرس.

​ثم قال: “ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا (أي يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم) قال: إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء”. لأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله”. وفي رواية أخرى: “لا إله إلا الله”. لأن الريح الطيبة تقبض كل الموحدين فلا يبقى إلا الخبيثون فعلى وجه الأرض وعليهم تقوم الساعة. قال: “والذين يتخذون القبور مساجد”.

​إذًا، هذا باب عظيم يبيّن وسائل الشرك، وأن من أعظم وسائل الشرك الغلو في الصالحين وهذا مر معنا في الباب الذي قبله، ومن أسباب الشرك اتخاذ القبور مساجد، ومر معنا لعنه صلى الله عليه وسلم لمن فعل ذلك. والصلاة في مسجد بُني على قبر لا تصح، فلو بُني المسجد ثم أُدخِل فيه ميت وقُبر هناك يُخرَج الميت، ولو كان القبر موجودًا ثم جاء المسجد بعد وبني عليه يُهدَم المسجد. فالعلماء يقولون: “الحكم للأسبق”، فأيهما سبق فله الحكم. وينبغي للقبور أن تكون مفصولة عن المساجد. فمن صلى في مسجد فيه قبر صلاته لا تصح.

​💀 باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصورها أوثانًا تُعبَد من دون الله

​وهذا الباب كالذي قبله. قال بعدها: “روى مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبَد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”.

​إذًا النبي صلى الله عليه وسلم، كالأحاديث التي قبل هذا، يحذر من صنيع الكفار ويحذر أصحابه بأن لا يجعل قبره أو يطلب من الله جل وعلا بأن لا يجعل قبره وثنًا يُعبَد.

​والوثن والصنم كلمتان ينبغي أن تعلم العلاقة أو العلاقة بينهما:

  • الوثن: كل ما عُبد من دون الله فهو وثن، إن كان على صورة أو على غير صورة. وبهذا يكون الصنم وثنًا، والشجر وثنًا، والحجر وثنًا، والقبر وثنًا.
  • الصنم: لا يكون إلا على صورة وهيئة ذات ثالث. وبالتالي الشجر لا يكون صنمًا والحجر لا يكون صنمًا.

​وبهذا تعلم أن كل صنم هو وثن، ولكن ليس كل وثن صنمًا، هذا على أصح الأقوال في المسألة.

​قال: “لا تجعل قبري وثنًا يعبد”. ثم علل عليه الصلاة والسلام قال: “اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”. فالنبي صلى الله عليه وسلم كالحديث الذي قبله يحذر الصحابة من صنيع أولئك الغالين في أنبيائهم ومرسليهم.

​وبالتالي، دعاء النبي صلى الله عليه وسلم هل استُجيب؟ الجواب: نعم، أجاب الله جل وعلا دعاء نبيه، فما عُبد قبره. هناك قد يعبد الناس قبر النبي صلى الله عليه وسلم لكن بعيد عن القبر، أما القبر نفسه لم يُجعل وثنًا يُعبَد.

​ولهذا يقول ابن القيم في نونيته يقول:

“ودعا بألا يجعل القبر الذي … قد ضمه وثنًا من الأوثان

فأجاب رب العالمين دعاءه … وأحاطه بثلاثة الجُدران

حتى غدت أرجاؤه بدعائه … في عزة وحماية وصيان”

انتهى.

​ثم قال: “ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ﴾، قال: كان يَلُتُّ لهم السَّويقَةَ فمات، فعكفوا على قبره”. وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: “كان يَلُتُّ السَّويقَةَ للحاج”. هذا على قراءة التشديد؛ لأن الآية تُقرأ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ﴾ كما تُقرأ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ﴾.

​و”اللات” رجل كان يَلُتّ لهم السويق. السويق هو الدقيق والقمح، كان يَلُتّ (يخلط) الدقيق بالماء والسمن والعسل ويعطيه للحجاج، فكان رجلًا صالحًا يكرم الحجاج. فلما مات عكف الناس على قبره فعبد من دون الله. إذًا، أرأيت؟ حب الصالحين أدى بهم إلى عبادة غير الله وحده، غير الله جل جلاله.

​قال: “وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسُرج” (رواه أهل السنن).

​الشاهد من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور. ولهذا على الصحيح من أقوال أهل العلم إن شاء الله تعالى أنه يحرم على المرأة زيارة المقبرة، ويجوز للرجال. أما المرأة لا يجوز. “والمتخذين عليها المساجد والسُرج”. وهذا الشاهد أن الذين اتخذوا المساجد على القبور والذين أسرجوا السُرُج (والسُرج هي المصابيح) كانوا يجعلونها على القبور ليعظّموها. وهذا من فعل البوذيين ومن فعل غير المسلمين، ولكن هذه الأمة اقتدت بالكفار ولهذا وقعت فيما وقع فيه أهل الجاهلية من قبل.

​قال: “والمتخذين عليها المساجد والسُرج”. والشاهد هنا أن رسول صلى الله عليه وسلم لعن من فعل ذلك (رواه أهل السنن). وهذا لا شك كما قلت كالباب الذي قبله يبيّن خطر تعظيم القبور إلى حد يصل بالناس إلى عبادتها.

وزيارة القبور نوعان:

  1. نوع مشروع: هو أن يذهب الرجل أو المرأة إلى المقبرة ليدعو لأحبابه وليدعو للمسلمين وليتذكر الآخرة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: “كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة والموت”. فمن ذهب إلى المقبرة يدعو لهم، لا يدعوهم، ويتذكر عندما يرى القبر؛ لأنك إذا حُملت إلى القبور جنازة فاعلم أنك بعدها محمول.
  2. النوع الثاني: زيارة ممنوعة، وهذه على جهتين:
    • الجهة الأولى: هو من يذهب ليصلي لله عند القبر، وليذبح لله عند القبر، وليفعل كم من عبادة عند القبر.
    • الجهة الثانية (وهي الأشد والأعظم وهي فعل المشركين): وهي أن يذهب إلى القبر ليدعوه، وليذبح له لا عنده، وليصلي له لا عنده، ولينذر له، وليفعل غير ذلك من العبادات التي لا تليق إلا بالله جل وعلا. وهذا شرك أكبر ناقل عن ملة الإسلام.

​وهذا خلاصة المسألة.

​🛡️ باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك

​بعد أن ذكر المصنف الأبواب التي فيها وسائل الشرك، ذكر أو أتبع البابين الذين قبل هذا بهذا الباب ليبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترك الأمة هكذا، بل سد كل طريق يؤدي إلى الشرك. وسد طرق الشرك يكون من جهة الأقوال ويكون من جهة الأعمال ومن جهة الأفعال.

​هذا الباب هنا هو سد طرق الشرك من باب الأفعال. وسيأتي معنا إن يسَّر الله جل وعلا الوصول إلى آخر الكتاب باب سد… الشيخ عقد بابًا في حماية النبي صلى الله عليه وسلم حِمَى التوحيد، وسيبين أن في ذلك الباب، وسيُذكَر أدلة في حماية النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد من جهة الأقوال. فهنا باب في حماية التوحيد من جهة الأفعال، والذي سيأتي معنا إن شاء الله في آخر الكتاب باب حماية التوحيد من جهة الأقوال، وهو أبلغ. ولهذا سنبدأ بهذا الباب وإن شاء الله أن يسر الله إتمام الكتاب فسنمر على ذلك الباب، وأنتم قد علمتم المناسبة بين هذين البابين. فمن لم يتأمل يقول: هناك تكرار. الجواب: ليس هناك تكرار.

​هذا من جهة الأفعال، والآخر من جهة الأقوال. وفيه فرق ثانٍ أيضًا: هنا قال: “باب حماية المصطفى جناب التوحيد”. جناب التوحيد هو ركن الشيء. أما في الباب الآخر الذي سيأتي معنا إن شاء الله تعالى في آخر الكتاب “باب حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم حِمَى التوحيد”. والحِمَى هي ما حول التوحيد. ففي هذا الباب حمى التوحيد نفسه، أما في الباب الذي سيأتي معنا إن شاء الله تعالى حمى حتى ما حول التوحيد (الحِمَى)، وذلك أبلغ في حماية التوحيد وسد كل طريق تؤدي إلى الشرك. فينبغي لك أن تفهم الفرق بين هذا الباب وبين الباب الآخر.

​قال: وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.

​ذكر المصنف رحمه الله تعالى هذه الآية ليبين أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أشفق الناس بالناس، وأن الله جل وعلا أرسل إلينا رسولًا من أنفسنا، وفي قراءة: ﴿مِنْ أَنْفَسِكُمْ﴾ يعني من خيركم. ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾، يعني ما شق علينا يغضب النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يحب مشقتنا، بل جاء ميسرًا ومبشرًا عليه الصلاة والسلام. ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.

​ومن مقتضيات تلك الرحمة بالأمة وتلك الرأفة وذلك الحرص هو أن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك هذه الأمة تقع في وسائل الشرك، بل سد طرق الشرك المؤدية إليه من جهة الأقوال والمؤدية إليه من جهة الأفعال.

​ثم قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم” (رواه أبو داود بسند حسن ورواته ثقات).

​إذًا النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تُجعل البيوت مقابر. والبيوت تُجعَل مقابر إذا لم يُذكَر فيها الله جل وعلا ولم يُصلَّ فيها. ولهذا أفضل الصلاة تكون في البيت إلا الصلاة المكتوبة تكون في المسجد، المسجد.

“ولا تجعلوا قبري عيدًا”: أي مكانًا تعودون إليه كل مرة، حتى يُصبح قبر النبي صلى الله عليه وسلم… بعض الناس يذهب إليه في الصباح ويذهب إليه في المساء. ويقول بعض الجهال: أن زيارتنا للنبي صلى الله عليه وسلم وهو ميت كزيارته وهو حي، وهذا لا شك من الخرافات. يعني النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتخذ قبره عيدًا؛ لأن هذا قد يكون وسيلة للشرك عند من لم يتحقق بالتوحيد. قال: “وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم”.

​ثم قال: “وعن علي بن الحسين رضي الله عنه أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟” قال: إذًا هنا الحسين، عفوًا، علي بن الحسين رضي الله عنه وعن أبيه وعن جده رأى ذلك الرجل فما قَبِل أن يرى إنسانًا يفعل أمرًا قد يؤدي به إلى الشرك، وهذا من أعظم النصح.

​ولهذا بعض الناس ربما إذا رآك وقعت في ذنب غضب وثار، وإذا رآك قد وقعت في الشرك لا يتغير وجهه ولا ينصحك بأي نصيحة، وهذا من أعظم الغش؛ لأن أعظم شيء تقدمه للناس هو تعليم الناس التوحيد، وأعظم شيء تحذر منه الناس هو تحذيرهم من الشرك ومن وسائل الشرك. ومن لم يكن هذا أو على هذا الحال والطريق فهو غاش للناس، لا يعتبر من الناصحين، والدين النصيحة.

​فقال له: “أذكر لك هذا الحديث”، ثم قال عن النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليَّ فإن تسليمكم ليبلغني أين كنتم” (رواه في المختارة). وهذا الأثر تطبيق عملي لقوله صلى الله عليه وسلم في سد طرق الشرك المؤدية إليه.

​نكتفي بهذا القدر ونكمل في الدرس المقبل إن شاء الله. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. شكرًا.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *