الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
إذًا، وصلنا إلى الباب الثاني والعشرين من كتاب التوحيد، وهو:
باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان
مناسبة هذه الترجمة لكتاب التوحيد ظاهرة؛ في أن الشيخ رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الشرك وحقيقته، وذكر أسبابه، خطر ظاهر في ذهنه شبهة، وهي ما يقوله بعض الناس بأن الشرك الذي تحذِّرون منه قد انقضى وولَّى، ومَن الذي ما زال سيعبد الأوثان؟ فعقد الشيخ رحمه الله هذا الباب ليُبيِّن أن بلى، ما زال من هذه الأمة مَن سيعبد الأوثان. ثم ساق الدلائل على هذا الأمر العظيم.
أدلة وقوع الشرك في هذه الأمة
قال وقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾.
الجبت: هو السحر. والطاغوت: ما يُعبَد من دون الله.
وهذه الآية نزلت في كعب بن الأشرف اليهودي، الذي لما ذهب إلى قريش في معركة الأحزاب، ولما ألَّب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذهب إليهم فسألوه: “أديننا أفضل أم دين محمد؟” قال: “لا، بل دينكم أنتم أفضل”. ففضَّل -قاتله الله- الشرك على الإسلام وعلى التوحيد، مع علمه اليقين بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملة إبراهيم، وأن دين رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل دين، وأن شريعته أعظم شريعة.
فقال جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ﴾. فهذا الرجل أوتي نصيبًا من الكتاب وعَلِم به، هو وحيي بن أخطب وغيرهم من أحبار ورؤساء اليهود، ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾.
والآية التي بعدها قال وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾.
إذًا، بيَّن في هذه الآية أن هناك من لعنه الله جل وعلا وغضب عليه، بل مسخهم فصاروا قردة وخنازير، وأن منهم من عبد الطاغوت. ﴿أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. فهؤلاء هم شرار الخلق الذين هم على هذه الحال. والشاهد أن من أهل الكتاب من عبد الطاغوت.
كيف تفهم مناسبة الآية التي قبلها وهذه الآية؟ لأن الكلام أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان، ثم الشيخ ساق آيتين في أهل الكتاب وفي اليهود خاصة. إذًا، الجواب أن يُقال: هو ما سيأتي من حديث أبي سعيد بعدهما، هو الذي سيفهمنا لماذا ساق المصنف رحمه الله تعالى هذه الآيات.
قال وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾.
والصحيح أن الذين غلبوا على أمرهم هنا هم أولياء الأمر فيهم، فغلبوا على أمرهم وأمروا ببناء المساجد على القبور، وهذا لا شك أنه للذم. والنبي صلى الله عليه وسلم كما مر معنا لعن اليهود والنصارى بأنهم قد اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. فحديثهم سلم قال: “أولئك شرار الخلق عند الله” الذين هم على هذه الحال، وهي تشييد المساجد وبناؤها على القبور.
رد على طائفتين
والمصنف رحمه الله تعالى في الترجمة قال: “باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان”. في هذه الترجمة على اختصارها رد على طائفتين:
- الطائفة الأولى: من كفَّرَ المسلمين كافة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “بعض هذه الأمة”. وهذا رد على الغلاة في التكفير الذين كفَّروا المجتمعات الإسلامية، حتى قال قائلهم: “جاهلية القرن العشرين”. وليس هناك جاهلية مطلقة، بل بعد بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزال طائفة على الحق منصورة حتى يأتي أمر الله، كما سيأتي معنا في الحديث إن شاء الله تعالى.
- والطائفة الثانية: هم الذين قالوا: ليس أحد من هذه الأمة يعبد الأوثان. واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: “إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم”.
الجواب أن يُقال: الحديث حق وصحيح، لكن الجواب عليه من ثلاثة أوجه:
- الوجه الأول: أن الشيطان أيس، والشيطان لا يعلم الغيب، فهو أيس ولكن الله لم يؤيِّسه. والشيطان هنا تمنَّى وظن أمرًا، والحق والواقع بخلافه. إذًا، الشيطان أيس، لكن الله جل وعلا لم يؤيِّسه.
- الوجه الثاني: أن يُقال: أن الشيطان أيس أن يعود الناس كما كانوا عليه في الجاهلية الأولى وكما كانت عليه قريش، وحتى لو عاد الشرك يبقى من وجوه، أو ربما من حيث الجملة والانتشار أقل من شرك الكفار الذي كان في الجزيرة هو الأصل.
- والوجه الثالث: أن الألف واللام في قول النبي صلى الله عليه وسلم: “أيس أن يعبده المصلون” هي للعهد، يقصد بالمصلين الصحابة هنا رضي الله عنهم. وهنا لا شك أن الشيطان أيس أن يعبده أمثال الصحابة وحاشاهم، هم الحنفاء الموحدون رضي الله عنهم أجمعين.
قال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى في شرحه على كتاب التوحيد: “والأوجه الثلاثة صحيحة”. إذًا، عليك أن تفهم الإجابة من مجمل هذه الأوجه الثلاثة.
حديث الاقتداء بالأمم السابقة
إذًا هنا بعد أن ذكر هذه الآيات، قال عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ”.
القُذَّة هي الريشة التي تكون في السهم. أي: كما تساوت الريشة إلى جانب الريشة في السهم، فكذلك أنتم ستتبعون اليهود والنصارى والكفار خطوة بخطوة، هم يفعلون أمرًا أنتم تفعلونه. ثم ضرب مثلًا قال: “حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ” -يعني أخبث شيء- “لَدَخَلْتُمُوهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَن؟”. أخرجاه أي في البخاري ومسلم.
قوله: “فَمَنْ؟” أي فمن غيرهم؟ وجاء في روايات أخرى بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “اليهود والنصارى”. وفي روايات: “فارس والروم”. قال بعض أهل العلم: قالوا: إذا جاء ذكر فارس والروم، المقصود به أنكم ستقتدون بهم في أمور الدنيا. وإذا جاء ذكر اليهود والنصارى، المقصود والتحذير هنا من الاقتداء بهم في أمور الدين.
إذًا، هنا النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بأن هذه الأمة ستتبع سُنن وطُرُق وهَدْيَ الأمم السابقة. والأمم السابقة ذكر الله جل وعلا في هذه الآيات بأنهم عبدوا غير الله. إذا ربطت دليل الحديث بالآيات، إذًا من هذه الأمة من سيقتدي بالأمم الماضية ليعبد غير الله، وبالتالي توافق الدلائل مقصود الترجمة، وهو أن بعض هذه الأمة سيعبد الأوثان.
علامات نبوية ووقوع الفتن
وهذا تلميح إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها.
إذًا، النبي صلى الله عليه وسلم رأى أن الله جل وعلا زوى له الأرض وأراه إياها، فرأى أن ملك أمته يبلغ المشرق والمغرب. وانظروا هنا لم يقل الشمال والجنوب. وهذا فيه عَلَمٌ من أعلام النبوة ودليل على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو الصادق المصدوق. فإنه هنا لم يقل الشمال والجنوب، بل قال الشرق والغرب، وفعلاً بلغ مُلك هذه الأمة الشرق حد الصين، وبلغ الغرب حد الأندلس، ولم يبلغ في الشمال والجنوب، فوافق الخبر الخبر أو وافق الخبر ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قال: “وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ”. أي: كنوز فارس والروم. وقد غلب الصحابة فارس والروم وصارت كنوزهما عند المسلمين وصرفت في سبيل الله جل جلاله.
قال: “وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَلَّا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ”. أي: ألا يُهلك هذه الأمة بأمر عام يُهلك فيه الكل، كما هلك قوم نوح وكما هلك قوم عاد وثمود وشعيب ولوط وغير ذلك. ثم قال: “وَأَلَّا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ”. فهذه الأمة أعداؤها منها، عندها أعداء في الخارج، لكن لن يضروها، لكن الضرر يأتي من الداخل ومن عند أنفسنا. قال جل وعلا: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾. “فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ” أي: حوزتهم، فيغلبهم.
قال: “وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَلَّا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَلَّا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا”.
إذًا، الله جل وعلا استجاب لرسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر، ولكنه سلَّط هذه الأمة بعضها على بعض.
ثم قال ورواه البرقاني: وقيل: يُقال حتى البرقاني -يعني الباء مُثلثة- في صحيحه وزاد: “وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ”.
إذًا، النبي صلى الله عليه وسلم زاد على هذه الرواية أنه يخاف على هذه الأمة الأئمة المضلين.
والأئمة نوعان:
- أئمة فعل وسلطة: وهؤلاء المقصود بهم الأمراء، وخاصة أمراء الجور والظلم.
- أئمة علم وفتوى: وهؤلاء المقصود بهم القضاة والمفتون والعلماء.
فهؤلاء النبي صلى الله عليه وسلم يخاف على أمته من أئمة الضلال من أهل البدع والانحراف وأهل الفسق والباطل. ولهذا في السلسلة الصحيحة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -في الترمذي-: “إِنَّمَا أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مُنَافِقٌ عَلِيمُ اللِّسَانِ”. فهذا يكون خطره على الأمة شديدًا.
قال: “وَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهِمُ السَّيْفُ لَمْ يُرْفَعْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ”.
إذًا، هنا النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بأن هذه الأمة سيقع فيها السيف. والسيف وقع، وبدأت الفتن في هذه الأمة بعد موت عمر رضي الله عنه، واشتدت بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، ثم بعد مقتل علي، ولا زالت الفتن في هذه الأمة، لكن لا تزال طائفة على الحق كما سيأتي في باقي الحديث.
وهذه الأمة تسلط عليها الكفار، ومن أشد من تسلط على هذه الأمة التتار، حيث قتلوا من قتلوا وفعلوا ما فعلوا بالمسلمين وشردوا ويتموا ورملوا. وكل هذا كان بمعاونة الرافضة. ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “ما ظهر عدو على المسلمين وما ظهرت فتنة إلا وللرافضة فيها يَد وإعانة للكفار على المسلمين”. والشاهد بيننا اليوم واضح وظاهر لمن له أدنى بصر. ومن أراد التفصيل في هذا الأمر فليرجع إلى شروح الكتاب كـ “فتح المجيد” و “تيسير العزيز الحميد” وغيرهما من الشروح.
ثم قال: “وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ حَيٌّ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تُعْبَدَ فِي فِئَامٍ مِنْ أُمَّتِي الْأَوْثَانُ”.
وهذا هو الشاهد من هذا الحديث أن من هذه الأمة من سيعبد الأوثان. وقد بوب البخاري في صحيحه بأنه “باب تغيُّر الزمان وأن بعض هذه الأمة يعبدون الأوثان” أو “باب تغيُّر الزمان حتى تعبد الأوثان”. وذكر البخاري في الصحيح قول النبي صلى الله عليه وسلم: “لَا يَقُومُ الليل والنهار” أو “لا يمر الليل والنهار حتى تُعبَد ذُو الخَلَصَة” و “حتى يُعبَد ذُو الخَلَصَة”. وفي الحديث الآخر النبي صلى الله عليه وسلم قال: “والذي نفسي بيده لا تَضْطَرِبُ آلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ عَلَى ذِي الْخَلَصَةِ”. وفي الحديث الآخر: “لا يمر الليل والنهار عفوا حتى تُعبد اللات والعزَّى”.
إذًا، في أكثر من حديث النبي صلى الله عليه وسلم يبيِّن أن من هذه الأمة من سيعبد الأوثان. وسمعنا بعض الجُهَّال يقول: “الشرك أسطورة وهابية”. هكذا يقولون. وكأن الشرك لن يقع في الأمة. وهذا رجل إما أنه جاهل والجاهل ينبغي له أن يسكت، أو أنه رجل ضال مُظلِم يريد ضرب التوحيد وأهله، فيأتي بهذه الخرافات والكلام الذي في الحقيقة كله ظلمات وليس عليه شيء من نور الوحي. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بخلاف هذا.
ثم قال: “وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي”.
وهذا ظاهر. وظهر من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ظهر مسيلمة وقُتل بعده في عهد أبي بكر رضي الله عنه، وظهر الأسود العنسي وقُتل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرجت سجاح التميمية ثم تابت، وخرج طليحة بن خويلد الأسدي ثم تاب ومات ونحسبه شهيدًا ورضي الله عنه ورحمه، إلى غير ذلك. حتى ما زال في هذا العصر يظهر أتباع أو ناس يقولون ويدعون بأنهم أنبياء ولهم أتباع. ومن آخر ما ظهر ميرزا غلام أحمد القادياني هذا في الهند. وهذا رجل -من باب الاستطراد- مات أصابه مرض، فكان يتقيَّأ -أعزكم الله- في المرحاض حتى مات في بيت الخلاء. فقال بعض علماء الهند: قال: “لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن معاشر الأنبياء نَموت أو نُدفن حيث متنا، فادفنوه حيث مات في بيت الخلاء”.
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون”. قد يقول قائل: الذي ادَّعوا النبوة أكثر من ثلاثين. الجواب يُقال بأن هنا المقصود الذين يظهرون وتكون لهم شوكة وأتباع. أما الذي يظهر من هنا وهناك، هذا لا يُنسَب له مقال. وادعاء النبوة كفر، ومَن صدَّقه كافر. والذي لا يُكفِّر مَن ادَّعى النبوة، فهو بنفسه كافر.
ثم قال: “وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ مَنْصُورَةً”. يعني أن هذه الأمة لا يزال الخير فيها: “لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ” -في رواية أخرى- “حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى”.
باب ما جاء في السحر
السحر لغة: ما خَفِيَ ولَطُفَ سَبَبُه.
وشرعًا: هو رُقَى وعزائم وعُقَد تُعقَد، ومعها نَفْث ونَفْخ، تنفع وتَضُر حقيقة. هذا هو السحر.
وذكر المصنف رحمه الله تعالى لهذا الباب ظاهر؛ لأن السحر كفر ولا يتأتى إلا بالشرك من حيث الجملة. وإذا كان لا يتأتى إلا بالشرك، فهو مناقض للتوحيد. فالسحر كفر، ولهذا أورده الشيخ رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد؛ ليُبيِّن أن هذا الأمر شديد الخطر، وأنه من نواقض الإسلام وأنه من قواطع الملة، وينبغي للعبد أن يحذر منه غاية الحذر.
أدلة أن السحر كفر
قال وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. وهذه آية من البقرة ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.
فيها دليل على أن الساحر كافر وعلى أن السحر كفر من أوجه عدة:
- الوجه الأول: قال جل وعلا: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. إذًا، بيَّن أن الذي يمارس هذا كافر.
- الأمر الآخر: قال بعدها: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. فدليل على أن السحر كفر.
- الوجه الثالث: أن الله جل وعلا في آخرها قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. أي: من نصيب. والذي لا يكون له في الآخرة نصيب هو الكافر؛ لأن المؤمن مهما عُذِّب يبقى له في الآخرة نصيب؛ لأن مآله إلى الجنة. فهذا دليل أيضًا على أن السحر كفر.
- الوجه الرابع: هو ما جاء بعد هذه الآية، قول الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾. فقوله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ دل على أنهم لم يؤمنوا فكفروا، ولم يتقوا فكانوا من الكفار الفجار.
إذًا، هذه دلائل تُبيِّن على أن السحر كفر.
قال وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾.
ومر معنا أن الجبت هو السحر، والطاغوت هو كل ما يُعبَد من دون الله. وقال عمر: “الجبت السحر، والطاغوت الشيطان”. وقال جابر: “الطواغيت كُهَّان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد”. فهل بين هذه التفسيرات تعارض؟ الجواب لا؛ لأن هذا من باب اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد.
والجبت هو الشيء المستقذَر، ومنه السحر.
والطاغوت كما عرَّفه ابن القيم في “إعلام الموقعين” ونقله الشيخ محمد بن عبد الوهاب في “ثلاثة الأصول” قال: “ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مُطاع”. ومنه الشيطان. ولهذا كل هذه التعاريف هي في الحقيقة من أفراد هذا التعريف العام.
أنواع السحر:
السحر إن قسمته قد تقسمه إلى نوعين:
- منه السحر يكون عن طريق الأدوية والعقاقير، وليس فيه استغاثة وتوسل بالجن وعبادة لهم. وهذا ليس كفرًا، وبعض أهل العلم لا يُدخله في السحر أصلًا.
- أما السحر الآخر وهو الغالب، هو السحر الذي يكون عن طريق التقرُّب للشياطين. وهذا لا يَشُك عاقل في أن صاحبه كافر؛ لأن الشيطان لا يفعل لك ذلك السحر إلا إذا كفرت بالله وسببت الرسول وأهنت المصحف وكتبت القرآن بماء الحيض ومن غير ذلك من الكفريات بالاتفاق.
ولهذا الله جل وعلا قال هنا قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾. فعبر بـ الشراء. والشراء والبيع يكون في المعاملة. إذًا، هنا عندنا:
- بائع ومشتري.
- سلعة وثمن.
- البائع هو الشيطان باعك السحر. أنت تريد تضُر هذا الرجل وتريد أن تفرق بين المرء وزوجه. إذًا، الشيطان هنا قال: أنا أبيعك السحر.
- طيب، المشتري مَن هو؟ الساحر الذي يريد شراء ذلك السحر فاشتراه.
- السلعة هي السحر، والوصول إلى تفريق الرجل عن زوجه، أما صَرْف أو عَطْف، تقريب أو تبعيد أو إبعاد.
- والأمر الرابع هو الثمن. ولله تعالى قُل لمن اشتراه، ما هو ثمن السحر؟ ثمن السحر هو التوحيد. باع توحيده فاشترى السحر. فلما باع التوحيد، كفر بالله. ولهذا قال: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: من نصيب.
وهذا ظاهر وبيِّن في أن السحر الذي يكون عن طريق الجن هو شرك أكبر ناقل عن ملة التوحيد، عافانا الله وإياكم منه ومن أهله.
السحر من السبع الموبقات وحد الساحر
قال عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ”. أي: المهلكات. “قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ”. والشاهد أنه ذكر السحر من الموبقات.
“وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ الغَافِلَاتِ المُؤْمِنَاتِ”.
والقذف: الرمي بالزنا والاتهام بالزنا، ويدخل فيه المُحصَن الرجل والمرأة. وقوله: “الغَافِلَاتِ”؛ لأن المرأة إذا قُذفت واتُّهمت وهي لا تعلم، فهذا لا شك من أعظمية الكبائر، وهو اتهام المؤمن أو المؤمنة بالزنا، وهي من هذا أو وهو براء من هذا الأمر.
قال وعن جندب مرفوعًا: “حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ”. وفي رواية: “ضَرْبَهُ بِالسَّيْفِ”. رواه الترمذي وقال: الصحيح أنه موقوف.
وهذا الصحيح أن هذا الحديث أو الأثر موقوف عن جندب رضي الله عنه بأنه قال هنا: “حد الساحر ضربة بالسيف”. وهو قد فهمه من النصوص الشرعية بأن الساحر يُقتل. والساحر يُقتل ولا يُستتاب، ولو تاب بينه وبين الله يوم القيامة، أما في الدنيا إذا شُكَّ به يُقتل؛ لأنه قد يكذب عليك بأنه تائب ثم يعود بعد إلى السحر. وشر السحر شر عظيم، ولهذا ينبغي لولي الأمر الأخذ عليهم. والساحر يُقتل، إن كان عن طريق العقاقير وإن كان عن طريق غيره، ذهب بعض أهل العلم أن الكل يُقتل؛ لأن الكل يضر.
قال وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: “كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنْ اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ. قَالَ: فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ”.
إذًا، هذا الذي فهمه جندب هو في الحقيقة فهمه عمر وهو الحق بأن الساحر يُقتل.
قال: “وَصَحَّ عَنْ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا أَمَرَتْ بِقَتْلِ جَارِيَةٍ لَهَا سَحَرَتْهَا فَقُتِلَتْ”.
قال: “وَكَذَلِكَ صَحَّ عَنْ جُنْدُبٍ. قَالَ أَحْمَدُ: عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”. إذًا، الثلاثة الذين أشار إليهم الإمام أحمد رحمه الله من هم؟ هم جندب رضي الله عنه وعمر وحفصة رضي الله عن الجميع. إذًا، هؤلاء الثلاثة من الصحابة قتلوا السواحر ولم يُنكر عليهم أحد. فهذا وكأنه يُشبه اتفاق الصحابة على أن الساحر يُقتل.
باب بيان شيء من أنواع السحر
وهذا الباب مناسبته لكتاب التوحيد وللباب الذي قبله بأن المصنف رحمه الله تعالى ذكره بعد السحر؛ لأنه يشترك معه أيضًا في أمر آخر، وهو التأثير الخفي، وإن كانت لا تصل إلى درجة هذا الشرك. فأتبع هذا الباب أو باب السحر بهذا الباب.
قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف عن حيان ابن العلاء، حدثنا قَطَن ابن قَبِيصة عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إِنَّ الْعِيَافَةَ، وَالطَّرْقَ، وَالطِّيَرَةَ، مِنَ الْجِبْتِ”. ثم فسر هذا فقال:
قال عوف:
- العيافة: زَجْر الطير. العرب كانت إذا أرادت تذهب إلى مكان يأخذون طيرًا فيزجرونه، فإذا ذهب إلى اليمين مضوا في طريقهم، وإذا ذهب إلى الشمال توقفوا ولم يذهبوا. وهذا في الحقيقة كله من الاعتقادات الباطلة التي جاء الإسلام بإبطالها.
- والطَّرْق: الخَط يخط بالأرض. الطَّرْق هو أن يأتي إلى الأرض يمسحها ويخط فيها خطوط، ثم يمسحها ثم يخط خطوط، ثم يستدل بتلك الخطوط على علم الغيب. فإذا اعتقد بهذا علم الغيب، فهو كافر. وإن فقط قام به من أجل التطير أو غير ذلك، فهذا قد يكون شركًا أصغر.
- والجبت: قال الحسن: رَنَّة الشيطان. إسناده جيد. ومر معنا أن الجبت هو كل شيء مستقذَر، ومنه ما يأتي عن طريق الشياطين، ومنه السحر وغير ذلك من الأمور.
قال ولأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه: “المُسنَد منه”. يعني: أسند شيئًا من هذه -يعني أن هؤلاء اكتفوا في رواية الحديث بالمسند منه دون التفسير وهو كلام عوف- يعني أن في الكتب التي ذكرها في أبي داود والنسائي وابن حبان الحديث، أما الزيادة التي زادها من كلام عوف، هذه ليست في هذه الكتب الحديثية.
علم النجوم، والعُقَد، والنميمة، والبيان
قال وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَن اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ فَقَدِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا زَادَ”. رواه أبو داود وإسناده صحيح.
إذًا، النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مَن اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ”. والنجوم قد تستعمل للخير بأنها يُهتدى بها في الطريق، وسيأتي معنا هذا في التنجيم إن شاء الله تعالى. وقد تستعمل في الشر بأن يُستدَل بحركات النجوم على فِعل أو على علم الغيب. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: الاقتباس من النجوم ومن علم النجوم سحر. وعلى قدر ما تزداد من الاقتباس منها، يزداد سحرك: “زَادَ مَا زَادَ”. فعلى قدر الزيادة يكون السحر، وعلى قدر السحر يكون الضلال والشرك. الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن هذا تتبع علم الغيب عن طريق النجوم داخل في مُسمى السحر.
قال وللنسائي من حديث أبي هريرة: “مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ”.
قوله: “مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ”. هذا هو السحر. “وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ”.
“وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ”. ولهذا من تعلَّق بالسحر والكُهَّان والمنجمين والخطاطين، يتعلق بضعيف، وعلى قدر تعلُّقه بهم يزداد ضعفًا على ضعف. وهذا مر معنا في قول الله جل وعلا: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. وأن العرب لما استعاذوا بالجن، زاد الجن العرب والناس في ذلك الوقت خوفًا على خوف. أما من توكَّل على الله فهو آمن.
يقول ابن القيم في تفسير المعوِّذتين: “التوحيد حِصْنُ الله الذي مَن دَخَلَه كان من الآمنين” انتهى. والله جل وعلا قال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾. والله جل وعلا قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾.
قال وعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أَلَا هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِالْعِضَةِ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ”. رواه مسلم.
فـ “العِضَة” فسَّرها النبي صلى الله عليه وسلم هنا بأنه النميمة القالة بين الناس. فالنميمة من أنواع السحر لِخَفائها، وإن كانت ليست من الشرك، لكنها قد تضر أكثر من السحر. ولهذا ذكر ابن عبد البر في كلام له على هذا على النميمة، قال: “ذُكر عن يحيى بن أبي كثير قوله: النَّمَّام يُفسد في ساعة ما لا يُفسده الساحر في سنة”.
ولهذا قيل: “مَن نَمَّ في الناس حَذِرَه الغريب ومَقَتَه القريب”. ولهذا قيل أيضًا: “النميمة ما اقتربت من مودَّة إلا أفسدتها، ولا جماعة إلا بدَّدتها، ولا عداوة إلا جدَّدتها”. وصدق القائل: “مَن نَمَّ في الناس لم تُؤمَن عقاربه على الصديق ولم تُؤمَن أفاعيه”. والنميمة هي نقل الحديث بين الناس على وجه الإفساد. وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين يُعذَّبان، قال: “إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَكَانَ يَمْشِي فِي النَّاسِ بِالنَّمِيمَةِ”. فالنميمة أوجبت له عذاب القبر عافانا الله وإياكم منها.
قال ولهما عن ابن عمر رضي الله عنهما لما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا”.
فالنبي صلى الله عليه وسلم وصف البيان وحُسن الكلام والفصاحة أنه سحر. واختلف أهل العلم: هل قول النبي صلى الله عليه وسلم في مدح هنا للبيان -ووصف النبي صلى الله عليه وسلم للبيان بأنه من السحر أو كأنه سحر- هل هو للمدح أم للقدح؟ على قولين معروفين، بل الأقوال هنا ثلاثة:
- قال بعضهم: هو للذم. ومن هؤلاء ابن رجب في كتابه “فضل علم السلف على الخلف”.
- وقال آخرون: بل هو للمدح. ولعل هذا الكلام لابن عبد البر أو غيره.
- وقال بعضهم: بل البيان وحُسن الكلام لا يُمدح ولا يُذم. فإن استُعمل في الخير يُمدح، وإن استُعمل في الشر يُذم.
استعماله في الخير: كأنك تكون تستعمل هذه الفصاحة وحُسن البيان الذي أعطاك الله جل وعلا في تبليغ الحق وفي الذب عن السنة وفي رد الباطل، فهذا ممدوح.
وأما المذموم: فكمن يستعمل حُسن البيان في تغيير الحق باطلًا والباطل حقًّا. وهذا هو المذموم.
وبهذا نكون قد رأينا أنواعًا من أنواع السحر التي -كما قلت- قد لا تصل إلى درجة السحر، بل لا تصل إلى درجة السحر، لكنها تشترك معه في أمور مر معنا ذكرها. نكتفي بهذا القدر، والله جل وعلا أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.