الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
إذًا، وصلنا إلى الباب الخامس والعشرين من كتاب التوحيد، وهو:
باب ما جاء في الكهان ونحوهم
مناسبة الباب لكتاب التوحيد ظاهرة؛ في أن الكهانة تدخل في التوحيد من جهتين:
- الجهة الأولى (الربوبية): لأن الكهان غالبًا يدعون الغيب، وإذا ادعوا الغيب فإنهم قد شاركوا الله في أمر من أمور الربوبية، وهو معرفة وعلم الغيب. والله جل وعلا يقول: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
- الجهة الثانية (الإلهية والعبادة): لأن الكهان أغلبهم إنما يعتمدون على الشياطين، والشيطان لا يقضي حاجة الآدمي إلا إذا أشرك بالله جل وعلا.
وبالتالي، يكون دخول الكهانة في الكلام على التوحيد والشرك من جهة الشرك في الربوبية ومن جهة الشرك في العبادة والإلهية. ثم قال: باب ما جاء في الكهان ونحوهم، يعني من الوعيد الشديد في هذا الأمر.
أحكام إتيان الكاهن وتصديقه
قال: روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَن شَيءٍ فَصَدَّقَهُ، لَم تُقبَل لَهُ صَلاةٌ أَربَعِينَ يَومًا».
قوله: “فصدقه” ليست في صحيح مسلم. والحديث في صحيح مسلم هو بلفظ: «مَن أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ، لَم تُقبَل لَهُ صَلاةٌ أَربَعِينَ يَومًا». فلفظة “فصدقه” غير موجودة في مسلم، بل هي موجودة في مسند أحمد بسند صححه جماعة من أهل العلم. إذًا، هذا الحديث ماذا نستفيد منه؟ أن مَن أتى العراف فسأله فصدقه، لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا. وفي الرواية الأصل -كما قلت- في صحيح مسلم: «مَن أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ، لَم تُقبَل لَهُ صَلاةٌ أَربَعِينَ يَومًا».
وقالوا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم». رواه أبو داود. وللأربعة والحاكم -وقال صحيح على شرطهما- عن أبي هريرة: «مَن أَتَى عَرَّافًا أَو كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم». ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفًا.
إذًا، هنا تكون عندنا الأحوال أربعة:
- الحال الأولى (مجرد السؤال): أن يسأله فقط ولم يصدقه. فهذا لا تُقبل له صلاة أربعين يومًا، وقد ارتكب أمرًا محرمًا عظيمًا. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تقبل” دل على أنه لا يكفر؛ لأنه لو كان كافرًا ما صحت منه أصلاً.
- الحال الثانية (السؤال والتصديق دون اعتقاد الغيب): أن يسأله ويصدقه، لكن لا على جهة أن هذا الرجل يعلم الغيب، بل صدقه ظنًا منه أن الجن قد تخبره ببعض الأمور. وهذا لا يكفر، ولكنه ارتكب شركًا أصغر ووسيلة إلى الشرك الأكبر، وهو أيضًا لا تُقبل له صلاة أربعين يومًا.
- الحال الثالثة (السؤال والتصديق مع اعتقاد الغيب): الذي يسأله ويصدقه، ويظن أن الكاهن يعلم الغيب وأن هؤلاء العرافين يعلمون الغيب. وهذا كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم كفرًا أكبر ناقلًا عن ملة الإسلام.
- الحال الرابعة (سؤال الامتحان): مَن سأله ليمتحنه وليرد عليه وليفضحه. فهذا محمود وهذا أمر طيب، لكنه لا يقوم به الكل، بل يقوم به المُتحقق بالتوحيد الذي يستطيع بالعلم الذي وهبه الله إياه أن يرد باطل هؤلاء ويفضحهم. ودليل هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم امتحن صائب بن صياد اليهودي.
وقال وعن عمران بن حصين مرفوعًا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ. وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم». رواه البزار بإسناد جيد.
إذًا، هذا الحديث يدل على أن الذي يتكهن هذا مُبطل، وهذا يدل على أن هذا الفعل كبير، وقد يصل إلى درجة الشرك الأكبر. و**«تُكُهِّنَ لَهُ»** يعني أنك تذهب إلى الكاهن، فالكل مذموم. أو «سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ». والسحر مر معنا، وأنه غالبًا لا يقع إلا عن طريق الجن وعن طريق الكفر بالله جل وعلا.
تعريف الكاهن والعراف ومن في حكمهم
قال البغوي رحمه الله تعالى -وهو من أئمة أهل السنة-: “العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك”. فالعراف هو الذي تأتيه وتقول له: مثلاً، ضاعت لي سيارة أو سُرقت لي قلادة. فهو يأتي بأمور يفعلها، يحاول أن يستدل بها على مكان ذلك المسروق. والغالب أنهم يستعملون الشياطين.
وقيل: الكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل. إذًا، يكون العراف هو الذي يخبر عن الشيء الذي هو ضائع أو مخبأ في الأرض، أما الكاهن فهو يخبر على ما سيقع من أمور مغيبة. وقيل: الذي يخبر عما في الضمير.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: “العراف اسم للكاهن” -يعني قد يُطلق هذا على هذا- والمنجِّم والرمَّال.
- المنجِّم: هو الذي ينظر في النجوم ويستدل بحركاتها على ما سيقع من أمور.
- الرمَّال (الخَطَّاط): هو الذي يخط خطوطًا في الأرض ويوهم الناس بأنه بتلك الخطوط إنه يعلم الغيب.
الحاصل أن هؤلاء كلهم -سواء الكاهن أو العراف أو الرمَّال أو المنجِّم- كل هؤلاء قوم يستدلون بأمور يفعلونها على معرفة الغيب. فإذا استعملوا الشياطين وسجدوا لغير الله وارتكبوا مكفِّرًا، كفروا بالله. وإن كان فقط يُدجِّلون على الناس ولا يدَّعون علم الغيب، فهو دون ذلك. لكن في كل الأمور، ينبغي على ولاة الأمور الأخذ عليهم وقتلهم وعدم إبقائهم؛ لما في بقائهم من شر على الإسلام والمسلمين.
وقال ابن عباس في قوم يكتبون (آباجاد) وينظرون في النجوم: «مَا أَرَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ خَلَاقٍ».
- آباجاد: هو أنهم يكتبون (أبجد هوز) ثم يستدلون بتلك الحروف على ما سيقع من مغيبات.
- وقوله: «مَا أَرَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ خَلَاقٍ» أي: من نصيب. وهذا دليل على أن من ادعى علم الغيب كافر، ومنه الذي يستدل على علم الغيب بهذه الأمور.
باب ما جاء في النُّشْرَة
النُّشرة هي فَكُّ شيء بشيء. والمقصود هنا النشرة التي كانت عند العرب، وهي فك السحر بالسحر. ولكن أُدخل في معناها أيضًا فك السحر بالرُّقى.
قال عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن النشرة فقال: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ». رواه أحمد بسند جيد وأبو داود.
النبي صلى الله عليه وسلم هنا يقصد الرُّقى والنشرة الشركية التي كان يستعملها العرب والتي كانت منتشرة في عهده صلى الله عليه وسلم.
قال وفي البخاري عن قتادة: قلت لابن المسيب: “رجل به طِبٌّ -أو يُؤخذ عن امرأته- أي يُحبس عنها. قال: أو يُحَلُّ عنه أو يُنشَر؟ قال: لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الْإِصْلَاحَ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ” انتهى.
وكلام ابن المسيب -كما هو مُصرَّح به في روايات كثيرة- أن المقصود به فك السحر بالرقية الشرعية.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: “النشرة: حَلُّ السحر عن المسحور، وهي نوعان:
- حلٌّ بسحر مثله: وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يُحمل قول الحسن.
- والثاني: النشر بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة: فهذا جائز”.
خلاصة المسألة: السحر فكّه بالسحر محرم وحكمه حكم السحر. أما فكّه بالرُّقى الشرعية، فهذا أمر جائز وهو خير عظيم.
باب ما جاء في التطير
وقول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾.
التَّطَيُّر هو التشاؤم بأقوال وأفعال يحمل العبد إما على التقدُّم أو على التأخُّر، أو الإقدام والإحجام.
مناسبتها لكتاب التوحيد ظاهرة جدًا، وهي أن الطيرة نوع شرك. والأصل في الطيرة أنها من الشرك الأصغر.
الآيات فيها الرد على الكفار الذين أنكروا القَدَر، وأن ما أصابهم إنما هو بقضاء الله جل وعلا وقدره. وهي تُرسخ الأدب مع الله؛ فالأنبياء لا ينسبون الشر إلى الله، كما قال أيوب عليه السلام: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾.
قال عليه الصلاة والسلام: «لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ».
- العدوى المنفية: هي العدوى التي كان يعتقدها أهل الجاهلية أنها تنتقل بنفسها.
- الطيرة المنفية: هي التشاؤم الذي كان يحمل العبد على الإقدام أو الإحجام.
- الهامة: اعتقاد العرب أن روح الميت تأتي على شكل بومة أو طائر.
- صفر: التشاؤم بشهر صفر.
قال ولهم عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ».
- قالوا: وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ».
- الفأل: هو التفاؤل باسم أو بصفة، وهو ليس من الطيرة، ولا يؤثر في الإقدام والإحجام.
قال ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ، وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا».
- قال: «فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ».
- إذا عَرَض للمرء شيء من التطير والتشاؤم في القلب، فعليه أن يفعَل ثلاثة أمور: يصدق في توكله على الله، ويمضي ولا يتأخر، ويقول هذا الدعاء.
قال وله -يعني لأبي داود- من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، وَمَا مِنَّا إِلَّا» -يعني: إلا وقد يصيبه هذا الأمر- «وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ».
خلاصة هذا الباب: أن الطيرة شرك أصغر في الأصل إذا حملت على الإقدام والإحجام. فإذا اعتقد الإنسان أن هذه الأمور تنفع وتضر استقلالًا، كانت شركًا أكبر. وكفارة هذا الأمر هو التوكل والمضي في الأمر وقول الدعاء المأثور.
ولأحمد من حديث ابن عمر قال: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ».
وكفارة ذلك؟ قال: «أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ».
نكتفي بهذا القدر، والله جل وعلا أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.