وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
إذًا، وقفنا في الدرس الماضي عند الباب الثاني والثلاثين، وهو:
باب التوكل
قال: باب قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
مقصود هذا الباب هو أن التوكل من أعمال القلوب، وأن الله يحبه وأمر به؛ فإذا أمر الله به فهو عبادة، وإذا كان عبادة، فلا ينبغي أن يُصرف إلا لله، وصرفه لغير الله شرك. وهذا مناسبة إيراد الباب؛ لأنه من الأعمال القلبية كالخوف، والرجاء، والحب، والخشية، والخشوع، وغيرها من الأبواب التي مرَّت وستمر معنا إن شاء الله تعالى.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: أصل الجملة: “فليتوكل المؤمنون على الله”، لكنه قدم “على الله”، وتقديم المعمول يفيد الحصر والقصر، فيكون المعنى: توكلوا على الله ولا تتوكلوا على غيره.
والتوكل -كما قال الإمام أحمد- هو نصف الدين؛ فلا يستقيم دين العبد إلا بالتوكل الصادق على الله جل وعلا.
تعريف التوكل: هو تفويض الأمر إلى الله تعالى، وصدق الاعتماد عليه، مع فعل الأسباب.
فالذي لا يقوم بالأسباب الواجبة، فقد أخلَّ بتوكله. ولهذا، يقول أهل العلم: فعل الأسباب شرط في صحة التوكل؛ فبدون أسباب لا يصح التوكل.
ولهذا، قال أهل العلم: من توكل بدون فعل الأسباب، فقد قدح في العقل، وبعضهم قال: قدح في السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام بالأسباب. ومن اعتمد على الأسباب فقط، فقد أشرك. والموحد هو الذي يفوِّض الأمر إلى الله ويتوكل عليه مع فعل الأسباب.
قال وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ… إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: … وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
وقوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.
المقصود أن من توكل على الله جل وعلا، فالله يكفيه كل شر، والله يكفيه من كل أمر يهمه. فمن صدق توكله على الله جل وعلا، فهو الآمن في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
ولهذا، الذي يتوكل على الله ويتعلق قلبه بغير الله، يعيش خائفًا بائسًا حائرًا. وفي الحديث: «وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ».
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾.
قالوا عن ابن عباس قال: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالُوا لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ».
الشاهد هنا أن ابن عباس رضي الله عنهما ذكر أن هذه الكلمة العظيمة، وهي “حسبنا الله ونعم الوكيل”، إنما قالها إبراهيم عليه السلام لما اجتمع المشركون كلهم ضده، فقالها فكفاه الله جل وعلا شرهم. وقال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما تحزَّب عليه المشركون، قال: “حسبنا الله ونعم الوكيل”؛ أي: الله يكفينا، وعليه سبحانه وتعالى التوكل والاعتماد.
ولهذا، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في المسائل: “عِظَم شأن هذه الكلمة، وأنها قول إبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم في الشدائد”. وهذا تنبيه إلى أن العبد إذا وقع في شدة، فينبغي له أول ما يقول: “حسبنا الله ونعم الوكيل”؛ لأن من التجأ بالله جل وعلا، فإنه في أمان.
باب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾
بعد أن ذكر الشيخ في الباب الذي قبل التوكل باب الخوف، جاء في هذا الباب وذكر أمرين عظيمين:
- أن الخوف لا يمكن أن يكون إلا مع الرجاء.
- أن الرجاء لا يمكن أن يكون إلا مع الخوف.
فإذا جمعت الخوف والرجاء إلى الحب، حققت أركان العبادة الثلاثة؛ لأن العبادة -كما مر معنا- كالطائر: رأسه الحب، وجناحه الخوف، وجناحه الآخر الرجاء. وبهذه الأجنحة يطير العبد.
قال ابن سعدي رحمه الله تعالى في نظمه: “وَهُمُ الَّذِينَ أَخْلَصُوا فِي مَشْيِهِمْ / مُتَشَرِّعِينَ بِشِرْعَةِ الْإِيمَانِ / وَهُمُ الَّذِينَ مَلَأَ الْإِلَهُ قُلُوبَهُمْ / بِوِدَادِهِ وَمَحَبَّةِ الرَّحْمَنِ / وَهُمُ الَّذِينَ جَمَعُوا فِي سَيْرِهِمْ / بَيْنَ الرَّجَا وَالخَوْفِ لِلدَّيَّانِ”.
قال وبعدها قال وقوله: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾.
- الآية الأولى فيها ذم وبيان أن الخاسر هو الذي يأمن مكر الله، وهذا يأتي من الرجاء المُفرِط.
- والثاني: القنوط من رحمة الله، وهذا يأتي من الخوف المُفرِط.
فللخوف حد لا ينبغي أن يتجاوزه، وللرجاء حد لا ينبغي أن يتجاوزه، وللحب حد لا ينبغي أن يتجاوزه. فإذا تجاوز الحب أو الخوف أو الرجاء، اختلَّ سير العبد واختلَّت عبادته.
قال وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر فقال: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ».
فجمع في هذا الحديث بين اليأس من روح الله -وهو من جراء كثرة الخوف- والآخر وهو الأمن من مكر الله -وهو إنما يقع فيه من كثر رجاؤه-.
ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: “إن أقوامًا قلَّت أعمالهم وكثر رجاؤهم، وعاشوا في الدنيا بلا توبة، فلما قيل لهم: لماذا لا تتوبون؟ قالوا: نحسن الظن بالله. قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: وقد كذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل“.
قال وعن ابن مسعود قال: «أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ». رواه عبد الرزاق. وهذا كأثر ابن عباس فيه أن العبد يجمع بين الحب والخوف والرجاء.
باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله
فإن هذه الأمور كلها تحتاج من العبد صبرًا عظيمًا.
تعريف الصبر: هو حبس النفس على:
- طاعة الله.
- عدم الوقوع في معصية الله.
- أقدار الله المؤلمة.
الصبر هو حبس القلب عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكِّي، وحبس الجوارح عن لَطْمِ الخدود وشَقِّ الجيوب.
لما كان مَن لم يكن متوكلًا على الله جل وعلا يضعف إيمانه بالقدر، وإذا ضعف الإيمان بالقدر وقع العبد فيما ينبغي منه الحذر، وهو التسخُّط على قدر الله، أتبع الشيخ رحمه الله تعالى باب التوكل بباب الصبر.
قال علقمة في هذه الآية: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾؛ قال: “هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويُسَلِّم”.
قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
قال في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ».
- الشاهد: النياحة على الميت، فإنها لا تجوز أبدًا؛ لأنها من التسخُّط على قدر الله، وهي من الكفر الأصغر. أما البكاء فيجوز.
قال ولَهُمَا عن ابن مسعود مرفوعًا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ».
قال وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
هذا حديث عظيم في أن العبد ربما أصابته مصيبة في الدنيا، لكنها من رحمة الله جل وعلا به؛ فإن المصيبة تُكفِّر عنك ذنوبك وتجعلك يوم القيامة من المقبولين.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ».
نكمل في الدرس المقبل إن شاء الله تعالى، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.