الدرس 12 من شرح مختصر لكتاب التوحيد (عبر الهاتف 1433هـ) – الصغير بن عمار

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

​إذًا، وصلنا إلى الباب السادس والثلاثين، قال: باب ما جاء في الرياء.

باب ما جاء في الرياء

​والرياء هو من مراءاة الناس؛ وهو أن يفعل العبد عملاً ليراه الناس وليمدحوه، فهو لا يعمل لله. ومناسبة الباب لكتاب التوحيد ظاهرة في أن الرياء أصله من الشرك الأصغر، والشرك ينافي التوحيد، ولما كان منافيًا للتوحيد ذكره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد. قال: باب ما جاء في الرياء، أي: ما جاء في الرياء من الوعيد في الآيات والأحاديث.

قال وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.

  • وجه الدلالة من هذه الآية ومناسبتها للباب ظاهرة في أن الله جل وعلا جعل ملاقاته سبحانه وتعالى مشروطة بشرطين:
    1. ​الأمر الأول: وهو أن يعمل العبد عملاً صالحًا، أي: موافقًا للسنة.
    2. ​الأمر الثاني: أن لا يشرك بعبادة ربه أحدًا، أي: أن يعبد الله مخلصًا له الدين.
  • ​وبهذا نعلم أن شرط العبادة أمران: الإخلاص (أن تخلص وجهك لله جل وعلا)، والاتباع (أن تتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم). وهذا هو معنى “لا إله إلا الله محمد رسول الله”.
  • ​قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾. أسلم أي: أخلص لله، وهو محسن أي: على السنة.
  • ​قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: أحسن عملاً أي: أصوبه وأخلصه. والعمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا لله، صوابًا على سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

قال بعدها وعن أبي هريرة مرفوعًا (أي: مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أي قاله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله): قال الناظم: “وما أضيف للنبي المرفوع، وما لتابع فهو المقطوع“. فإذا كان الحديث قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقال: عن أبي هريرة، أي: عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الله تعالى (هذا حديث قدسي): «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». رواه مسلم.

  • هذا الحديث ظاهر ومناسبته للباب ظاهرة في أن الله جل وعلا لكمال غناه ولقدرته وعزته وجلاله سبحانه وتعالى غني عن الشرك. فالشرك أعظم ذنب عُصي به الله، وأعظم ظلم؛ لأن الشرك هو تسوية غير الله بالله في شيء من حقوق الله. فلما كان الشرك بهذه الصورة سماه الله جل وعلا ظلمًا، فقال: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. فقال: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ» لأن الله تعالى لا يقبل من العبادة إلا ما كان خالصًا.
  • ​قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾. فأي عمل تلوث وتنجس بالشرك فإنه لا يُقبل (على تفصيل يأتي معنا إن شاء الله تعالى).
  • ​قال: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ» ثم قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». فالعمل الذي دخله الشرك فإن الله جل وعلا يتركه ولا يقبله. وإذا تركك الله جل وعلا هلكت؛ لأن الله جل وعلا من خذله أدخله النار، ومن وفقه أدخله الجنة. ولهذا من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، فإن من وكله الله لنفسه هلك».

قالوا عن أبي سعيد مرفوعًا (أي: أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا): «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الشِّرْكُ الْخَفِيُّ: يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ». رواه أحمد.

    • وهذا الحديث أيضًا ظاهر الدلالة في أن الشرك ذنب عظيم، وأن الرياء شرك خفي.
    • الرياء أخوف من الدجال: النبي صلى الله عليه وسلم يخاف فتنة الرياء على هذه الأمة أكثر من خوفه من فتنة المسيح الدجال. العلماء قالوا: لأن الدجال معروف وعلاماته ظاهرة، والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر له علامة حسية وعلامة معنوية، فكان ظاهرًا للمؤمن، ولهذا المؤمن يراه ويعرفه، أما الكافر فيغتر به.
    • أما الرياء عياذًا بالله فـدقيق، ودواعي النفس إليه كثيرة، والنفس أمارة بالسوء، فيقع العبد فيه بسهولة.
    • ​ولهذا قال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى في شرحه لكتاب التوحيد: “الدجال ممكن أن يُعرف بعلامات، لكن الشرك الخفي أشد منه؛ لأنه يكون في القلوب ولا يطلع عليه الناس”، لكن قد يُعرف بعلامات تظهر على صاحبه.
    • ​ولهذا بعض الناس إذا كان وحده لا يغضب للمنكرات، وإذا كان مع الناس صاح وقال: عياذًا بالله ما هذا! هذا دليل على ريائه. وبعض الناس إذا كان في بيته صلى كالغراب ينقر، فإذا كان أمام الناس أطال سجوده.
    • ​وبعض الناس كما ذكر ابن قدامة المقدسي في مختصر منهاج القاصدين قال: وبعض الناس لا يحب أن يمدح، لكنه يغضب إذا ذُمَّ. وهذا قال: علامة رياء. فبعض الناس لا يغضب إن لم يمدح، لكنه يغضب إن ذُمَّ بأقل أمر، وكأنه يقول للناس: يا ناس امدحوني، لكن لم يجرؤ على التصريح فاكتفى بالتلميح.
    • الحاصل أن مداخل الرياء في القلب كثيرة، وينبغي للعبد أن لا يقول إن الأمر سهل. ولهذا لما سُئل (الإمام) محمد (بن نصر المروزي) رحمه الله تعالى: هل طلبت العلم لله؟ قال: “لله عزيز، ولكنه شيء حُبِّب إليّ فطلبته”. فلهذا ينبغي أن يُقال: الإخلاص عزيز، لا يصل إليه إلا من وفقه الله جل وعلا. وقد تصل إلى الإخلاص لكن يركبك الرياء.
    • ​ولهذا قال الثوري رحمه الله تعالى: «ما جاهدت شيئًا كما جاهدت نيتي، فإنها تتقلب عليَّ تقلبًا». وصدق رحمه الله؛ لأن النية محلها القلب، والقلب يتقلب. قال الشاعر: “ما سُمي القلب إلا من تقلبهِ * فاحذر على القلب من قَلْبٍ وتحويلهِ”. فلما كانت النية في القلب والقلب يتقلب، تقلبت النية مع ذلك القلب.
    • ​فالنبي صلى الله عليه وسلم خاف على أصحابه (وهم أعلى درجة في العلم والإيمان والصدق والإخلاص) خاف عليهم من هذا.
    • ​ثم شرحه قال: «يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ إِلَيْهِ». فلما رأى فلانًا وفلانًا ينظر إليه أطال في ذلك السجود.
    • ​وقد فصَّل العلماء في رياء ودخوله على العمل على رُتَب. من أراد أن يرجع إليها بالتفصيل فليرجع إلى شرح ابن رجب رحمه الله تعالى على حديث: “إنما الأعمال بالنيات” في جامع العلوم والحكم، في شرح الأربعين، بل في شرح الخمسين لنَزِد عليها. وذكر ابن رجب رحمه الله تعالى، ونقل كلامه ابن سعدي في القول السديد، ارجعوا إليه.

وكان مما ذكر:

  1. إذا كان الإنسان ابتدأ العمل رياءً (بدأ من البداية بالرياء)، هذا عبادته باطلة، وحاله أشبه ما يكون بحال المنافقين عياذًا بالله. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ﴾. هؤلاء هم المنافقون الذين وصفهم الله جل وعلا في أكثر من آية من حالهم أنهم يصلون مرآة.
  2. الحالة الثانية: أن يصلي ابتداءً لله ثم يعرض إليه الرياء، ولكن هذا الرياء يستمر معه إلى آخر الصلاة، فهذا تبطل صلاته.
  3. الأمر الآخر: أنه يصلي لله ثم يطرأ عليه الرياء في داخل الصلاة، ثم يدفعه ويرجع في آخر الصلاة مخلصًا، فهذا عارض يغفر الله جل وعلا ما تجاوز، وربما نُقص من صلاته بقدر ما نقص من إخلاصه، لكن الصلاة صحيحة.
  4. الأمر الرابع (الصورة الرابعة): وهو أن يفعل العبد عبادة لله ولا يدخل عليه الرياء في العبادة، ولكنه جاءه الرياء بعد الصلاة، فهذا لا يضر؛ لأن الصلاة إنما ابتدأها وأنهاها لله، وما جاءه بعد فهذا لا يضر. ولهذا ذُكر للنبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل يُمدح على فعله، فقال: إذا كان طبعًا لله: «تلك عاجل بشرى المؤمن». فإذا كان المدح لا يضر الإنسان فلا إشكال فيه، أما إذا كان سيضره فلا ينبغي أن يمدح العبد أمامه.
  5. وهذا في العبادات المتصلة؛ أما في الصدقات (مثلاً): لو أن إنسانًا عنده مئة درهم، أعطى منها خمسين صادقًا ومخلصًا، ثم أعطى منها خمسين أخرى بالرياء. إذًا، الأولى أعطاها مخلصًا فهي يجدها عند الله، أما ما أعطاه بالرياء فهذا لا يُقبل. فالرياء الذي إذا طرأ واستمر يفسد، هو في العبادة المتصلة أولها بآخرها كالصلاة والصيام وغير ذلك.

​إذًا، خلاصة الباب أن الرياء عنده مراتب، وقسَّم بعض أهل العلم الرياء إلى نوعين: رياء أكبر ورياء أصغر. قالوا: الرياء الأكبر هو رياء المنافقين، والرياء الأصغر هو الذي يأتي للمسلم في التفصيل الذي مر معنا.

باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا

      • ربما يقول الإنسان: يا أخي، هذا الباب كالباب الذي قبله، ما الفرق بين الرياء وبين إرادة الدنيا؟

​العلماء قالوا: انتبهوا، أولاً: قاعدة لا ينبغي تسفيه العلماء. بعض الناس يسهل عليه الاستدراك على أهل العلم: لماذا قام بهذا؟ ليس لك. العلماء الكبار هم الذين يجلُّ بعضهم بعضًا، فينبغي لك إذا أشكل عليك أمر أن تقول: “أشكل عليّ إيراد الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى لهذا الباب”، أما أن يعترض الإنسان بلا بحث ولا سؤال لأهل العلم فهذا لا شك مسلك سيئ.

      • ​إذًا، أن يقال: إذا أورد الشيخ رحمه الله تعالى هذا الباب بعده واستدل عليه بأدلة لم يستدل بها في البداية، دليل على أنه رحمه الله تعالى أراد أمرًا آخر. نبَّه على هذا شراح الكتاب، منهم الشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد، فقال رحمه الله تعالى بمعنى كلامه: قال بأن المرائي يفعل العمل فقط ليقول الناس فلان قارئ، وفلان متصدق، وفلان مجاهد وغير ذلك. أما هذا فإنه يعمل لدنيا، ولهذا سيأتي أنه يعمل لقطعة القماش، يعمل للمال، يعمل لغير ذلك.
      • ​فقال العلماء: فإذا كانت المسألة بالعقل، فهذا أعقل؛ لأن هذا على الأقل يعمل لدنيا يصيبها. أما الآخر يعمل فقط ليقول الناس كلمة. فـالأول غبي؛ لأنه خسر العمل وخسر الدنيا، أما الثاني أذكى منه؛ لأنه خسر الآخرة صحيح، لكنه نال شيئًا من الدنيا. وفي الأمرين شر؛ لأن الأول لم يعمل لله، والثاني لم يعمل لله. هذا هو الفرق بين هذا الباب والباب الذي قبله.

قال وقول الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

      • ​فبيَّن سبحانه وتعالى أن من أراد الدنيا فله الدنيا. وقد قيَّد هذه الدنيا في آية الإسراء، قال: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾. إذًا في آية الإسراء قال: “ما نشاء”، فليس كل من طلب الدنيا نالها، فبعض الناس يطلب الدنيا ولا ينالها.
      • ​قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾. ثم قال سبحانه: ﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾.
      • الله يعطي الكافر ويعطي المؤمن، لكنه في الآخرة لا يعطي إلا للمؤمن. ولهذا قال أهل العلم: الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، أما الآخرة فلا يعطاها إلا الذي أحبه الله وارتضاه. ولهذا الدنيا لحقارتها نالها الكافر.
      • ​وفي الحديث الصحيح: «لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء». قال ابن القيم في النونية: “هذا ولو عدلت جناح بعوضة * عند الإله الحق في الميزان * لم يسق كافرًا منها شربة ماء * وكان الحق بالحرمان”.
      • ​إذًا هذه الآية ظاهرة في أن الله جل وعلا وآية الإسراء أن من أراد الدنيا نالها، لكنه يأتي في الآخرة كما قال: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ لأنهم لم يعملوا لله.
      • فالمؤمن الكَيِّس هو الذي يعمل لله، ولا بأس أن يعمل العبد لله ويريد وأن ينال شيئًا من أمور، وناله شيء من أمور الدنيا (كالمجاهد يجاهد في سبيل الله وينال شيئًا من الغنائم)، لكن لا ينبغي أن يكون الذي حركه للقتال في سبيل الله هو نيل الغنائم لأن هذا من عرض الدنيا الزائل ولهذا لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهيد قال: (هو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا) أما الذي قاتل لينال الدرع والسيف والخميصة والخميلة كما في الحديث فهذا لا شك أنه على خطر عظيم، ويُخشى أن يدخل في وعيد هذه الآية. فينبغي للعبد أن يعمل العمل خالصًا لله، ولو ناله مناله من الدنيا فهو خير على خير.

قال وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ. تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ. طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعَنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ لَهُ». وهذا الحديث رواه البخاري في صحيحه.

      • هذا الحديث حديث عظيم ومناسبته للباب ظاهرة في أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن الذي يعبد الدرهم تعيس، وعبد الدينار أيضًا تعيس. ثم قال: «تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ» (الخميصة هي قطعة قماش لا زينة فيها ولا نقوش فيها)، «تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ» (الخميلة قطعة قماش فيها شيء من النقوش والزينة).
      • قال: «إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ». يعني يتحرك للدنيا، يصلي للدنيا، ويصل الرحم للدنيا، ويصوم للدنيا، ويفعل للدنيا، ويحج للدنيا. وهذا لا شك أنه خاسر؛ لأن الله جل وعلا غاب حبه عن قلبه فعمل للدنيا، فكانت له الدنيا إن شاء الله، أما الآخرة فإنه يأتي مفلسًا.
      • ​ولهذا قال: «تَعِسَ»، ثم قال: «وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ» أي: لن يُوفَّق في عمله.
      • «وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ» أي: إذا دخلت فيه شوكة فلن تستطيع أن تخرجها بالمنقاش. أي: دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه إذا أصابه الأذى أن لا يرفع الله جل وعلا عنه البلاء؛ لأنه لم يعمل لله. وما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل.
      • ​ثم ذكر المؤمن الصادق المخلص الذي وإن لم يكن ذكره معروفًا عند الناس، فإنه عند الله عالي القدر. قال: «طُوبَى» (أي: من فَعَلَ من الطيب، أي: خير له عظيم).
      • ​قال: «طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعَنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» أي: جاهد في سبيل الله. «أَشْعَثَ رَأْسُهُ» أي: من قلة ماله ربما لم يجد حتى ما يمشط به شعره؛ لأنه خرج في سبيل الله جل وعلا ولم ينتبه حتى لنفسه؛ لأنه مشغول بالجهاد لم يتفرغ حتى للزينة.
      • ​قال: «أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ». قال: «إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ» أي: إذا وُضع في الحراسة وُضع في الحراسة ولا يدري عنه الناس. قال: «وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ» أي: في الجيش، قال: «فَكَانَ فِي السَّاقَةِ» أي: إن كان في مؤخرة الجيش فهو في مؤخرة الجيش ولا يُعلم به أحد.
      • ​ثم قال: «إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ لَهُ» أي: أنه قدره بين الناس ليس بالرجل المعروف ولا ذي صاحب الجاه، ولكنه عند الله جل وعلا عظيم الجاه وعظيم القدر. ولهذا في الحديث الصحيح: «ربَّ أشعث أغبر لو أقسم على الله لأَبَرَّهُ» أي: لو أقسم على الله لأبرَّ قسمه ولاستجاب لدعائه.
      • ​ولهذا من أراد وسعى ليذكره الناس فإنه لن يُذكر كما قال السلف. ومن ترك ذكر الناس فإن الله جل وعلا يرفع قدره.
      • ​قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ أي: ودًّا عند الخالق وحبًّا عند المخلوق. فإذا (كما في الدرس الماضي): إذا رضي الله عنك أرضى عنك الخلق، وإذا سخط عنك أسقط عنك الخلق.

خلاصة هذا الباب العظيم وما قبله: أن من عمل لله وقال: لو أتاني شيء من الدنيا بعد أقبله، فهذا لا إشكال (مثلاً كالرجل يصل رحمه ويعلم أن صلة الأرحام تزيد في العمر، فهو يصل الرحم لله لكنه يقول: لعل الله جل وعلا يمن عليَّ بتلك المنة في الدنيا حتى يطيل عمري في الخيرات)، فهذا لا إشكال فيه؛ لأنه عمل أصالةً وابتداءً لله، ولكنه يرجو أن يصيبه الله بذلك الخير. أما الآخر فإنه عمل للدنيا فقط فهو خاسر، وأما الآخر الثالث فهو عمل للدنيا مع الله، فهذا لا شك أنه على خطر، وربما يُنقص من عمله ومن أجره في الآخرة بقدر عدم إخلاصه. فالمؤمن الكامل هو الذي يخلص العمل كله لله، ومن أخلص لله كفاه الله مؤنة ذلك، ومنَّ الله جل وعلا عليه بالفضل في الدنيا والآخرة.

​أسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم من المخلصين ومن الصادقين في الدنيا والآخرة. نكتفي بهذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *